nawal and sherif

Books by Dr. Saadawi and Dr. Hetata

Home | Books

الــــزرقــاء

مسرحية من فصلين

بقلم: د. نوال السعداوى



الفصل الثانى

8 مشاهد

المشهد الاول:

المسرح مظلم تماما وخالى.

يسقط ضوء خفيف على منتصف خشبة المسرح ويظهر طفل صغير جالس وحده فى الظلام. يده ممدودة فارغة.

يبدأ الضوء يغمر المسرح تدريجيا. ويبداء الناس المارة يملاؤن خشبة المسرح. الكل يجرى بسرعة الى عمله وحاله. لا أحد يرى الطفل الجالس بيده الممدودة الفارغة. أحد المارة يلقى فى اليد الصغيرة الممدودة الفارغة قرشا دون أن ينظر الى الطفل ويسرع فى طريقه. الضوء يخفت تدريجيا على المسرح. والناس تقل تدريجيا حتى يظلم المسرح تماما ويخلو من المارة لا يبقى إلا الطفل الصغير جالس مكانه ويده ممدودة أمامه فى الظلام.

ظــلام

*   *   *   *   *


المشهد الثانى

الضوء القوى فى حجرة نوم فاخرة جدا. هى حجرة نوم د. فهيم وزوجته تفيدة.

د. فهيم بملابس البيت جالس الى كرسى فوتيل يدخن بكثرة ويبدو عليه التفكير العميق والضيق. تفيدة جالسة على السرير بشعرها الصناعى وملامحها المصنوعة وحركتها المصنوعة.

 

 

برضه مش قادرة أعرف ايه اللى مضايقك فى الحكاية دى. الكلام اللى انت قلته ده كله مش شايفة فيه حاجة تضايق ابدا.

:

تفيدة

بقه كل اللى حكيته ده ومش قادرة تعرفى إيه اللى مضايقنى. كل الجهد اللى بذلته ده فى الكلام وانا باحكيلك ما قدرتيش تعرفى ايه اللى مضايقنى. انت إيه؟ انت إية؟ ما بتحسيش والا إيه؟

:

د. فهيم

(فى ضيق)

اسمع يا فهيم. إذا كنت عاوز تقلبها غم زى كل ليلة نقفل الموضوع ده خالص. ستين مرة قولتلك ما ليش دعوة بشغلك. ستين مرة قولتلك ما تجبليش سيرة العمل وخصوصا قبل النوم. كفاية طوال النهار قاعد فى مكتبك تتكلم فى الشغل. الساعة الوحيدة اللى نقدر نقعد فيها مع بعض آخر الليل تتكلم برضه فى الشغل دى حاجة تكفر. وبرضه مستحملة ومستزوقة وقاعدة باسمع لك. بقى لك ساعة تتكلم وانا قاعدة أسمع لما طلعت روحى. وانا مالى ومال الأرانب يولدوا والا ما يولدوش. والأرانب الاسترالى إيه ومش عارفة ميكروبات إيه ومش عارفة الدكتور شرف الدين إيه والوالى مبسوط منى (تقلد د. فهيم بصوتها) والوالى يقولى انا نوع نادر من البشر ولازم نحافظ عليك ونخاف عليك. تلات اربع كلامك عن إن الوالى مبسوط منك وخايف عليك. عاوزنى اعرف منين انك مضايق. وعاوزنى اعرف كمان إيه اللى مضايقك. هو انا باضرب الودع والا بافتح كوتشينة. كنت بتتكلم وانت مبسوط. ما حستش فى صوتك ريحة الزعل لكن ازاى؟ ازاى ليلة وأحدة تمر من غير زعل. لازم تنكد على كل ليلة. لازم تخلق حاجة تزعل عشان تتحجج وتدينى ضهرك. اللعبة ما بقتش تنطلى على يا فهيم. ما تقولها كده بصراحة وشجاعة انك بتحب وأحدة تانية. انت فاكرنى مش عارفة. أنا عارفة كل حاجة والناس كلها بتيجى تقوللى.

:

تفيدة

ايه الكلام اللى انت بتقوليه ده يا تفيدة؟

 

د. فهيم

(فى ذعر)

ده مش كلام. دى حقيقة. الناس كلها عارفاها مش انا بس.

 

تفيدة

عارفة آيه؟

 

د. فهيم

(فى قلق)

اعمل نفسك مش عارف حاجة. مثل على دور آخر من يعلم. لكن انا خلاص استحملت كثير وسمعت كثير. وكل مرة اقول بلاش اقولك. كلام الناس كثير وما يسبوش حد فى حاله خصوصا لما يكون وأحد زيك ناجح وواصل والوالى راضى عنه.. كل الناس بتحقد عليه. وقلت يمكن الستات غيرانين لأنك متجوز وأحدة ست راقية من عيله كبيرة وعوزين يوقعوا بينى وبينك. قلت لنفسى حاجات واستحملت. لكن انا خلاص عرفت. عرفت انك مش ممكن تكون بتحبنى زى الأول. طول النهار برة البيت ولما تيجى البيت تبقى مش طايق تقعد معايا قعدة هادية ورايقة. لازم تعكر الجو بأى حاجة بأى كلمة وامبارح تقولى شكلى وحش فى الباروكة الجديدة. طبعا بقيت وحشة بالنسبة للست الدكتورة!

 

تفيدة

مين دى؟

 

د. فهيم

ذات الشعر اللى مالوش وصف. بيقولوا ان شعرها مقصوص زى الرجالة ومشيتها زى الرجالة ورجليها معوجة ومقفعة وبالبلا!

 

تفيدة

تقصدى مين بالكلام ده؟

 

د. فهيم

لكن الحب وحش. الحب اعمى والغريبة انهم مش عارفين مين اللى بيحب التانى. انت اللى بتحبها والا هى اللى بتحبك.

 

تفيدة

مين هى دى اللى انت تقصديها؟!

 

د. فهيم

الست الدكتورة اللى انت سيبتها شغلها فى المصنع وعملتها قال إيه سكرتيرة سكرتيرة خاصة.. خاصة قوى!

 

تفيدة

دكتورة نادرة ؟ تقصدى الدكتورة نادرة ؟!

 

د. فهيم

برافوا! ازاى عرفت اسمها؟

 

تفيدة

تصفق فى سخرية

اعقلى يا تفيدة. خلى فى مخك شوية عقل د. نادرة كانت تلميذتى ودى إنسانه طيبة وشغالة ومن عيله مكافحة ولها تقاليد. انت ما تعرفيش العائلات المكافحة دى تقاليدها ازاى. مش زى العائلات اللى من الطبقة الراقية بتاعتك البنت فى الطبقة دى حياتها كلها ممكن تنهدم لو سمعتها ساءت. نادرة بنت شغالة ومخلصة فى شغلها عشان كده انا جبتها معايا فى المكتب. بتشيل عنى شغل كثير بتموت نفسها فى الشغل. وهى تلميذة فى الطب كانت بتشتغل بعد الظهر عشان تدفع مصاريف الكلية. كانت تلميذتى واعرفها كويس واعرف اخلاقها. حرام عليكى يا تفيدة ما تسوئيش سمعة البنت. انا عارفك لما تدبئى وأحدة. فاكرة مدام علية اللى طفشتيها من البلد كلها عشان اتهيأ لك انها كانت بتبص لى.

 

د. فهيم

ماهى كانت بتبص لك. وانت كنت بتشجعها. عاوز تنكر.

 

تفيدة

يا تفيدة بلاش نفتح المواضيع دى. احنا متجوزين بقه لنا عشرين سنة وعندنا ولد شاب فى كلية الطب. عيب! عيب تفضلى تتكلمى كده زى بنت صغيرة. انت كبرت يا تفيدة على الكلام ده!

 

د. فهيم

كبرت؟ كبرت يعنى إيه يا فهيم؟ انا كبرت؟ شوف كلامك اللى زى الطوب طبعا كبرت بالنسبة للبنت الكتكوته اللى عندك فى المكتب.

 

تفيدة

اووه!

 

د. فهيم

حرام عليك يا تفيدة ما تسوئيش سمعة البنت. مين اللى قال انها بنت؟ ومين اللى قال ان سمعتها نضيفة قوى! مش هى دى اللى هربت من أهلها عشان تتجوز عامل فى المصنع. وياريته كان جواز! بقى يا أستاذ فهيم تبص لوأحدة بالشكل ده! طب نقى حاجة كويسة تستاهل!

 

تفيدة

تقلد صوته

اقفلى يا تفيدة الموضوع ده احسن لك!

 

د. فهيم

(غاضبا)

تقصد ايه؟ مالك زعلت كده؟

 

تفيدة (تهدأ)

سيبينى لوحدى خالص. مش عاوز اسمع صوت. انا تعبان وطول النهار باشتغل. ستين حاجة فى دماغى.. ستين مشكل. بلاوى متلتله فوق دماغى (تفيدة تغادر السرير وتسير نحو الباب ببطء).

 

د. فهيم

(غاضبا)

وكمان زادت البلوى دى. الميكروب ده اللى جه المصنع... مشكلة كبيرة مش عارف لها حل.. واضطريت اكدب على كل الناس.. حتى على شرف الدين..

 

فهيم

(يكلم نفسه)

ما هو اصل الكدب فى دمك. إذا كنت بتكدب على انا مش عاوز تكدب على الناس الغرب. انا اللى عشت معاك عشرين سنة.. وكل ليلة.. (تمسح دموعها) وكل ليلة.. كنت بتكدب على واحنا مع بعض. واحنا سوا فى سرير وأحد. اخص عليك يا فهيم. يا خاين يا غدار ياللى مطمرش فيك العيش والملح.

 

تفيدة

(بصوت منخفض تكلم نفسها)

يا تفيدة اعقلى. خلى اليلة تفوت على خير. خلينا عايشين زى ما كنا عايشين. بقول لك اعصابى تعبانه ومش مستحمل عكننه. وبلاش حكاية الكدب دى ارجوكى لأنك عارفة مين اللى كدب على التانى. أنا والا انت؟ نسيتى حكاية.. فاكره لما.. (يسكت لحظة) على العموم انا نسيت وقلت عشان الولاد نعيش ما فيش داعى نمرمط الولاد بينا. خلينا عايشين يا تفيدة وبلاش تقليب المواجع. خلينا عايشين زى الناس ما هى عيشة.

 

د. فهيم

بصوت هادئ

تفيدة تمسح دموعها وتخرج.

فهيم وحده يمسك رأسه بيده يكلم نفسه.

 

 

يارب. انا تعبان. دماغى! مش ناقص تعب

 

فهيم

يفكر لحظة فى صمت.

 

 

 

لو كان وأحد تانى غير شرف الدين كانت بقت المسأله اسهل. إنما شرف الدين.. حيقول ايه على لو عرف انى لو كان يقدر يفهم كنت شرحت له موقفى. لكن ده لا يمكن يفهم. لا يمكن يتصور انى ممكن اضعف. انى زى أى بنى آدم تانى كان بيبص لى على إنى إله. وانا اللى كنت باشجعه على كده. كان بيرضينى انى احس انى اله. انا اللى رسبت الفكرة دى فى نفسه. انى وأحد تانى غير الناس. ما قدرش ما قدرش انزعها منه دلوقت ما قدرش  انزعها منه بسهولة بس لو كان وأحد تانى غير شرف الدين كانت المسأله بقت اسهل

يسك رأسه

ظــلام

*  *  *  *  *


المشهد الثالث:

د. شرف الدين راقد على السرير بحجرته بالمصنع يلفظ أنفاسه الأخيرة والى جواره التمورجى.

شهدى يحاول أن يسعفه.

 

 

دكتور شرف الدين. يانهار اسود.. اعمل ايه بس. انا ما نيش دكتور.. اسعفه ازاى بس؟ يقرب كوب من الماء من شفتى شرف الدين. شرف الدين يفتح عينيه.

:

شهدى

د. شرف الدين. انا شهدى.

:

شهدى

شهدى. فين توفيق؟ اندهله.

:

شرف الدين

ندهلته. جاى حالا فى السكة. زمانه يوصل حالا.

:

شهدى

لو جه توفيق وانا ما كنتش.. قوله يا شهدى شرف الدين بيقولك انها الزرقا..

:

شرف الدين

يدخل توفيق مهرولا مسرعا

شرف الدين. مالك؟. هات كورماين يا شهدى بسرعة.

:

توفيق

(يعطيه حقنه)

د. فهيم كدب على "يا توفيق. دلوقت بس عرفته. ازاى ما عرفتش قبل كده. عرفت دلوقت بس. عرفت متأخر قوى خلاص الفرصة راحت يا توفيق.. الأمل راح.. يلفظ أنفاسه.

 

شرف الدين (بصعوبة)

لا يا شرف الدين. الأمل ما راحش. لسه فيه أمل. لسه فيه فرصة. هات كمان حقنة كورماين يا شهدى.

 

توفيق (فى اضطراب)

شهدى يجرى كالمسلوع ويأتى بالحقنه.

توفيق يغرزها فى ذراع شرف الدين.

شرف الدين اصحى. اصحى يا شرف الدين. لسه فيه فرصة. لسه فيه أمل يا شهدى هات كمان حقنة.

 

توفيق

شهدى يجرى ويأتى بحقنة اخرى.

شرف الدين. اسمعنى. قاوم الموت يا شرف الدين زى ما كنت بتقاوم كل حاجه.. قاوم ما تستسلمش عمرك ما استسلمت. قاوم يا شرف الدين. فيه فرصة. فيه أمل. مش ممكن تموت. مش ممكن الملاك يا ناس هو اللى يموت..

 

توفيق

توفيق يلقى الحقنة على الارض فتنكسر ويبكى.

شهدى يغطى جسم شرف الدين الميت وهو ينظر اليه فى ذهول وحزن شديدين.

شرف الدين مات يا شهدى. شيله على كتافك. الملاك اللى رفض انه يبات ليلة وأحدة خارج المصنع. كان بيسهر عليكم ويشيلكم وأحد ورا وأحد شيله يا شهدى فى عينك. شرف الدين كان مؤمن. كان مؤمن بشئ غير موجود وعمره ما فقد إيمانه. حتى كلامى اللى زى السم ما اثرشى فيه. كان عايش فى وهم. الدكتور فهيم ما يكدبش. ما فيش زرقا يعنى ما فيش زرقا. والزرقا عماله تنهش فى لحم العمال. والزرقا عايشة فى المصنع عايشة وعماله تكبر وتترعرع. الميكروب عايش ويترعرع والملاك الطاهر مات. ربنا رحمه واستريح. شرف الدين استريح يا شهدى. وعاش كمان مستريح. كان مصدق ان فيه خير فى الدنيا دى وان د. فهيم بيقول الحق. وشرف الدين مات واستريح. إنما انا.. انا اللى عايش وتعبان. انا اللى مش مؤمن بحاجة خالص.. دنيا وحشه وكلهم كدابين. كلهم كدابين. والصادق النهاردة بكرة يكدب لما الظروف تتغير. والشجاع النهاردة بكرة لما يقف قصاد الاكبر منه يبقى أرنب. أنا مش مؤمن بحاجة يا شهدى. مش مؤمن حتى بنفسى. أنا جبان. أنا عارف انها الزرقا وساكت. أيوه ساكت ومقدرش اقول اشمعنى انا دونا عن الكل اللى اقول عاوز ولادى يا شهدى يعيشوا وياكلوا ويروحوا المدارس.. ولادى هم السبب يا شهدى! هم السبب يمكن لو مكانشى عندى اولاد يمكن كنت اقول. لكن برضه ما اعرفش. انا باخاف يا شهدى. انا جبان يا شهدى (يبكى).

 

توفيق

شهدى يواسيه.

ما تعملش فى نفسك كده يا دكتور توفيق.

 

شهدى

دى كانت أخر فرصة يا شهدى. كان أخر أمل. خلاص الفرصة راحت الأمل راح

 

توفيق

لا ما راحش. الأمل ما راحش ولسه فيه فرصة طول ما احنا عايشين. طوال ما فينا نفس طول ما فينا نفس فيه فرصة وفيه أمل.. فيه! فيه! فيه!

 

شهدى (فى عزم)

 

ظـــلام

*  *  *  *  *



ما بعده | ما قبله

home | books |
Copyright ©Nawal Saadawi & Sherif Hetata