spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

هل انطفأت الشمعة الأدبية فى مصر ؟

شريف حتاتة

 

رغم كل ظواهر الرِّدة التي أصبحنا نعيشها يجب ألا نكون غافلين عن التطور الذي يحدث في العالم ، وفي بلادنا ، عن انتشار المعرفة والعلم في بعض مجالات الحياة ، عن زيادة وعى الشعوب بمشاكل العصر ، وأسبابها ، عن تفاقم السخط ضد الظلم ومظاهره ، وعن تحركات النضال العشوائية أو المنظمة التي أصبحت جزءا من حياتنا اليومية في مصر .

الأقلية المسيطرة علي نظام الحكم في بلادنا تدرك بغريزة البقاء التحديات التي تواجهها لذلك تولي اهتماما خاصا بتدعيم وسائل القمع ، لكنها تدرك أيضا أن القمع وحده لن يوقف المقاومة المتزايدة للشعب ، أن السيطرة على عقول الرجال والنساء ، وتضليلهم ، أن بث الأفكار ، وأنماط السلوك التي تضعف قدراتهم مسألة جوهرية للحيلولة دون حدوث تطور ديمقراطي في المجتمع .

 من هنا أهمية الدور الذي تلعبه الثقافة والتعليم . ومن هنا أيضا أهمية وسائل الإعلام وتنوع الأساليب التي تلجأ إليها في ممارسة تأثيرها على عقولنا ومن بينها ما يتعلق بالإبداع . فالقدرة على الإبداع في مختلف المجالات عنصر حيوي في تقدم الشعوب . القدرة على التفكير المستقل ، على الاكتشاف ، والخلق ، على تغيير ما هو قائم ليحل محله الجديد ، على ما هو قائم بجسارة والسير في طريق لم نجربه من قبل ، هو أساس كل تقدم .

خطرت في بالي هذه الأفكار إزاء ما كنت غداة رحيل الكاتب "نجيب محفوظ" بعد حياة حافلة بالعطاء الأدبي دام ما يزيد عن نصف قرن ، وهو عطاء إبداعي ينبغي تقديره حتى وإن اختلفنا في تقييم المدى والعمق اللذين وصل إليهما . لم أقتنع بالنغمة التي سادت في الصحف ، ووسائل الإعلام المرئية ، والمنطوقة ، والتي رأت في رحيله خسارة يستحيل تعويضها وكأن ساحة الإبداع الأدبي في مصر صحراء جرداء لن ينبت فيها شيء . كأن مجتمعنا محكوم عليه بالعقم الأدبي بعد رحيله . لم أقتنع بذلك الشلال من التعليقات والمقالات التي تطوع به العشرات من الكتاب والكاتبات وكأن وفاته كارثة أدبية لا يمكن تداركها ، وكأنه كان عليه أيعيش أبد الدهر حتى لا يتركنا كالأيتام ضائعين بعد غيابه . قالوا فيها ما لم يؤمن به هو . أهدروا نظرته للحياة والموت وأهدروا تواضعه . أضفوا عليه صفاتا فذة في جميع نواحي حياته وواصلوا "الكورس" الصاخب من الإطراء ليكرسوا العبودية التي نعيشها في مختلف مجالات المجتمع ، ولينقلوا ما يحدث في السياسة إلى الإبداع الأدبي ، والثقافة ، والفكر والفن . صنعوا منه هرما للنظام الأدبي ليربض على إبداعنا وكأن الحفاظ على هذا الهرم ضروري في الحفاظ على مواقعهم هم .

المثل الصارخ على الاتجاه الذي ساد في وداع "نجيب محفوظ" هو العنوان الذي نشر على الصفحة الأولى لإحدى الصحف اليومية "المستقلة" "انطفأت الشمعة الأدبية في مصر".

إن هذا الأسلوب في الارتفاع بمرتبة بعض الشخصيات إلى مستوى الآلهة يؤدي إلى تصغير الآخرين ، وإنكار جهودهم ، إلى إضعاف ثقتهم في أنفسهم تلك الثقة التي هي شرط من شروط الإبداع . إنه أسلوب ابتدعه حكامنا على مر العصور يسود في ظل مجتمع أبوي طبقي ورثناه من الفراعنة ، أسلوب يسعى إلى إخماد القدرات الحية للشعب ، وللأجيال الشابة من الرجال والنساء الذين يتمردون على ما هو سائد ويسعون إلى تحقيق ما هو أفضل منه . إنه يكرس سيطرة الأقلية على حياة الناس في مصر .

 

أيام رأيت فيها السجن من الخارج

يوم 6 سبتمبر 1981 ، كان الجو صاف ، فوق رأسي امتدت زرقة السماء هادئة ، حيادية كأن لا شيء سيحدث في الكون . قدت سيارتي النصر 124 على الطريق الزراعي الممتد بين الحقول عائدا من مركز "بسيون" . في الحقيبة الخلفية للسيارة جوال من الأرز ، وجوال من الفول و"بيض صابح" دافئ اللون .

أتنفس بارتياح وإلى جواري على المقعد رسم أرض الدوار يبين النصيب الذي يخصني بعد أن تم قياسها وتقسيمها . الآن تخلصت من الإحساس بالتيارات الخفية التي تكمن في جوهر العلاقات الأسرية عندما يتعلق الأمر بالمال ، والميراث ، والملكية ، والأرض لتكشف عن هشاشة وسطحية العواطف ، وعن انحدارها .

كنت مستريح البال . مقبل على لحظة اللقاء مع الزوجة والأولاد ، على   الحكي ، وعلى الحوار الذي سيدور بيننا ، على كوب من الشاي وقطعة من فطيرة الذرة التي حملها إلى محمود النيفباوى المشرف على الفدادين السبع التي أصبحوا من نصيبي في الأرض الزراعية ، يلفني إحساس بالسلام ولّده امتداد الحقول ، وصوت المياه في الساقية ، والوجوه السمراء تعودت تأمل المساحات الخضراء وهى تتموج في الريح .

كانت الساعة قد قاربت على الثانية بعد الظهر عندما ارتفع بي المصعد حتى الطابق الخامس في العمارة فتحت بابه وخرجت إلى العتبة فصدر عنه الصوت الصارخ لمفاصله العتيقة . فوجئت بجاري ، رجل سوري مربع الجسد تلمع عيناه الخضراوين بقوة في وجهه كساه لون الخوف الشاحب . قال بصوت يرتعش قليلا

"جاءوا اليوم وأخذوا الدكتورة نوال"

قلت وأنا أدرك ما الذي يعنيه

"من؟"

"ضباط من الشرطة والمباحث" ثم أضاف "رفضت أن تفتح لهم ، فكسروا الباب الخلفي ودخلوا إلى المطبخ" . واختفى بسرعة داخل شقته .

أدخلت المفتاح في باب الشقة وفتحته . كان قلبي يدق سريعا لكني لم أشعر بالارتباك . عودتني الحياة . المهم هم الأولاد . لم يكن أحد في الشقة . صمت كامل . على أرض الصالة كتب وأوراق انتزعت من المكتبة ، وألقيت عليه . دخلت حجرة المكتب . المشهد نفسه ، وأدراج فتحت ولم تغلق . انتقلت إلى غرف النوم . الأسرة مرتبة ماعدا السرير الذي نامت عليه . فوق المكتب الصغير بعض أوراق الرواية التي بدأتها وقلم جاف .

توجهت إلى المطبخ . تم "تطفيش" كالون الباب وترك مواربا . وضعت طبلية جلوس بينه وبين "الثلاجة" إلى أن أجد من يقوم بإصلاحه . جاءني صوت جرس الباب فخرجت وفتحته . دخلت "منى" ابنتي ، وابني "عاطف" . سألتني "منى"

"جيت امتي ياشرف؟" .

"بقالي ربع ساعة" .

قلت

"قبضوا عليها" .

رأيت الشحوب الأبيض يزحف على الوجهين ، وأصابع ابني ترتعش . قلت

"عايزين نفضل هاديين . ستخرج بسرعة" .

هتفت "منى"

"
"هاديين .. ماديين ازاى . يالله ننزل ندور عليها" .

"ندور عليها فين ؟" .

"في أقسام البوليس" .

"عاطف" صامت . عيناه تدوران بعيدا عني ثم تستقران على وجهي . أقرأ فيهما الجيدة ، وألم الصدمة الغادرة . أما "منى" فالغضب مسيطر عليها ، يحل مجله بالتدريج القلق المتوتر ، والخوف .

جلسنا في الصالة . قلت

"سأبحث عنها . اتركا هذه المهمة لي . سأصل إليها حتما . قسم الجيزة قريب" .

قالا في نفس واحد

"نأتي معك".

قلت

"لا ... لازم تاكلوا حاجة . مهم تحافظوا على نفسكم عشان ماما".

ظلا صامتين .

ذهبت إلى قسم الجيزة . قال لي المأمور "مانعرفش حاجة عنها". عدت إليهما . ظلا ساهرين ثم غلبهما التعب فناما . ونمت أنا أيضا . عندي قدرة على النوم في أصعب الظروف . نوع من القدرية تعلمتها في السجن .

قضيت أسبوعا كاملا أبحث عنها . ذهبت إلى المباحث في الجيزة ، في   القاهرة . إلى المحافظة . إلى مكتب المدعي الاشتراكي . وقفت مع الواقفين على   السلم ، في الطوابير ، عند الأبواب . في كل مكان الرد نفسه "ما نعرفش عنها حاجة" ثم فجأة تذكرت . لا يوجد في مصر سوى سجن واحد للنساء هو سجن القناطر . أحسست بالضيق من نفسي . من غبائي . كل يوم كنت أعود إلى الأولاد لأقول "لم أعثر عليها" . أقرأ القلق في عيونهما ممزوجا بالضيق كأنهما يعتبرانني مقصرا في حقها .

هبطت دون أن أقول لهما شيئا . قدت السيارة إلى سجن القناطر . وهناك بعد ساعتين من الانتظار على البوابة أدخلوني لمقابلة أحد الضباط فعرفت أنها موجودة مع الأخريات . أن الزيارات والمراسلات ممنوعة ، أنه يمكن إدخال طعام ، وملابس مرة في الأسبوع يوم الثلاثاء .

في طريق العودة تملكني قدر من الراحة . الآن أستطيع أن أطمئنهما بعض الشيء . أن أتصل "بعادل أمين" محامينا وصديقنا في مثل هذه الملمات . أن أتفنن في أنواع الطعام التي أعرف من تجربتي أنها مناسبة لحياة السجن . وأهم من كل ذلك أن أسعى إلى إقامة حملة للإفراج عنها .

كانت إحدى صديقاتنا مسافرة إلى أمريكا عن طريق لندن . فحملتها رسالة مكتوبة إلى رئيس الدار التي تنشر كتبنا المترجمة إلى الإنجليزية شرحت فيها ما حدث في مصر وطلبت منه الاتصال بجميع الهيئات والشخصيات النسائية ، والمنظمات الديمقراطية ، لعمل حملة للإفراج عن نوال وفي الوقت نفسه الإشارة إلى وجود مئات من المعتقلين والمعتقلات .

بعد أن مر بعض الوقت بدأت الحملة العالمية تم فيها تجميع ما يزيد عن عشرين ألف من التوقيعات تطالب بالإفراج عنها . كنت أهرِّب إليها أخبار الحملة مكتوبة على ورق رفيع داخل محشي الكرمب ، أو الكوسة ، أو الباذنجان ، أو الفلفل الأخضر ملفوفة في سلوفان الحلويات حتى تشعر بوجود تضامن معها .

قرأت في إحدى الصحف خبرا يقول أنها متهمة "بالتآمر مع بلغاريا" . لماذا بلغاريا بالذات لا أعرف . إحدى التخريفات التي كان يولدها عهد اقترب من نهايته .

يوم 6 أكتوبر تم اغتيال السادات ويوم 25 نوفمبر دق جرس الباب في شقتنا ففتحته . على العتبة كانت تقف نوال على وجهها ابتسامة مثل شمس الصباح . وحول قدميها حذاء "كوتش" أبيض خلعته في الصالة لتخرج منه أوراق رقيقة تحولت فيما بعد إلى كتاب سمته "مذكراتي في سجن النساء".

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism