|
عن
احتضار
الدولة الوطنية
د. شريف حتاتة
ذكرت
فى
حلقة سابقة من هذه
الدراسة
سابق إن أغلب البلاد الصناعية الرأسمالية تكونت "هويتها
الوطنية"
قبل أن تتبلور فيها سلطة الدولة القومية. بمعنى آخر تكونت
الأمة
بعناصرها الرئيسية التى هى ثقافة مشتركة، وطبقة متوسطة نضج تكوينها
إلى
حد
كبير، وسوق
وطنى موحد مما سمح بإقامة الدولة الحديثة.
أما فى
آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية فكان الحال مختلفاً.
ففيما
يتعلق
بالدول "شبه
القومية" وأيا
كانت الاختلافات الثقافية والتاريخية القائمة بينها سار التطور الذى شهدته فى عكس
الاتجاه. انبثقت
السلطة السياسية فيها قبل أن يكتمل تكوين
الأمة،
وقبل أن تتبلور "هويتها" الثقافية القومية
وقبل أن
تنضج الطبقة المتوسطة أو تقوم سوق
وطنية موحدةً.
ترتب على ذلك،
رغم اختلاف درجة التطور التى وصلت إليه
كل منها أن
النخب السياسية، وبيروقراطية الدولة ، والقوات المسلحة المسيطرة عليها مازالت تسعى
إلى استكمال "المشروع القومى"،
أى تحقيق دولة حققت
التنمية بالفعل شأنها شأن
البلاد الصناعية المتقدمة.
ومازالت هذه النخب
السياسية، والاجهزة
البيروقراطية،
أو القوات المسلحة ترفع شعارات تعتمد على أسطورة
"التنمية"
و
"اللحاق بعجلة التقدم"، أو
التكنولوجية، أو غيرها كوسيلة لتغذية أحلامها وأحلام شعوبها، حتى تتمكن من البقاء،
ومن ضمان الاستقرار، والاستمرار لحكمها.
طوال
القرن العشرين حاولت النخب المسيطرة على مصائر البلاد النامية، التى تعاونت
أغلبها مع الاستعمار القديم ثم الجديد،
حاولت تكرار ما حدث فى
الدول الحديثة الأوروبية أو فى أمريكا.
كما
حاولت
بعضها
تطبيق النموذج السوفيتى بشكل أو
آخر، أو
الاستفادة من بعض جوانبه
لكن انتهت هذه
المحاولات بالفشل. لقد
حالت الإمبريالية دون أن
يتحقق
لها النجاح. مع ذلك لم تتخل هذه النخب عن مطاردة وهم " التنمية " والإصرار على
السير وراءه،
سواء اتخذ هذا الوهم
شكل
التعاون
مع
الاستعمار القديم والخضوع له أو
محاولة الإفلات منه جزئياً عن طريق تدخل الدولة وتكوين قطاع عام،
وتقليد
بعض جوانب الثورة " الاشتراكية " أو السير فى ركاب الرأسمالية النيولبرالية
والاستعمار الجديد.
أثناء هذه التجارب المختلفة فرضت هذه النخب المتعاونة مع الاستعمار القديم أو
الجديد،
وفى أحيان قليلة المناوئة له،
تضحيات ضخمة على شعوبها
دون أن يتم التخلص من الفقر، أو إقامة قطاع مدنى تحكمه نظم ديمقراطية، وقوانين
متطورة.
ذلك أنه سواء فى ظل الاستعمار القديم، أو فى ظل الاستعمار الجديد، والاقتصاد
المعولم ظلت كل هذه الطرق مسدودة.
من بين الخصائص
الهامة والمميزة لهذه الدول " شبه
القومية " فى آسيا،
وأفريقيا ، وأمريكا اللاتينية، والمنطقة العربية
تلك
الصلات التى تكاد تكون منعدمة بين
عالم الاقتصاد والقانون الرسمى وبين المحيط البشرى الضخم الذى يضم الجماهير شبه
المتحضرة فى المجتمع.
فهذه الكتلة الضخمة من السكان تنظم نفسها بوسائلها الخاصة متجاهلة الإجراءات
القانونية وشكلياتها، وتقيم لنفسها اقتصادا شبه
منفصل لا يظهر فى الحسابات الوطنية للدولة رغم أنها
تغرق
أجهزة الحكم بمطالبها واحتياجاتها،
وتنظيماتها التلقائية الخارجة عن تحكم الدولة. أنها
كتلة
سكانية مكونة
الى درجة كبيرة من
العاطلين، ونصف العاطلين
تعيش خارج نطاق الاقتصاد القومى، والمجتمع الاستهلاكى
المعولم. جذورها لم
تنفصل عن الريف إلا حديثا. لم تخضع لعملية
التحضر إلا جزئياً،
وليس لها إدراك
حقيقى لمعنى الانتماء إلى الأمة. يحاول الذين ينتمون إليها التعبير عن هويتهم عن
طريق الارتباطات العرقية،
أو
الإقليمية،
أو التمسك بأساطير الأسلاف
أو بالتفسير الدينى السحرى لظواهر حياتها،
أو بالاتجاه إلى
الأيديولوجيات المتطرفة. فى بعض الأحيان
تشكل
هذه الجماهير ثقافات رافضة
للحداثة، والتحديث كما هو الحال مع الاتجاهات الدينية الأصولية
أو الحركات اليسارية المتطرفة التى تميل إلى "العنف الثورى"، أو غيرها من الحركات
التى أخذت تنبثق فى البلاد التى لم تتشكل فيها أمة
متناسقة تكون بمثابة القاعدة التى تستند إليها الدولة.
منذ
نشوء الدولة الحديثة كانت توجد أمم قوية وأخرى ضعيفة وكانت توجد دائماً أمم كبيرة،
وأمم صغيرة. مع ذلك خلال القرن التاسع عشر استطاعت الأمم الصغيرة مثل الدنمارك، أو
السويد، أو سويسرا أن تحقق النمو،
والتقدم،
نتيجة توفر ظروف ملائمة.
لكن خلال القرن العشرين ظلت الدول التى سميناها "شبه"
قومية أو وطنية
تعانى من التخلف فى نموها ولم تنجح فى تحقيق
تقدم ذا وزن فى مجال "التنمية" رغم مرور السنين ورغم بعض التغيرات التى طرأت عليها.
إن
أسطورة
إلغاء
أو حتى تقليل الهوة
التى تفصل
بين هذه الدول وبين الدول الرأسمالية المتقدمة تحول إلى كارثة مروعة خلال العقود
الثلاث الماضية.
فقد
تكون فى العالم نوع من "الابارثيد"
الاقتصادى والاجتماعى العالمى.
فهناك شبه
جزيرة مكونة من عدد قليل من الدول القومية الغنية، محاطة بأغلبية البلاد التى تضم
سكان ما يقرب من مائة وثلاثين دولة "شبه قومية" يعانى الناس فيها من الفقر المدقع.
هذه الدول تنوء
بحمل
الانفجار السكانى،
وبوجود
أغلبية تعيش فى قطاع اقتصادى غير رسمى،
الحياة فيه صعبة، ومضطربة والشباب لا يجد منفذا
للحياة سوى فى
الهجرة إلى الخارج.
فى الأوضاع
الحالية تعجز هذه الدول "شبه القومية" عن إقامة دولة وطنية حديثة. ليس لديها سوق
اقتصادى وطنى يمكن أن يساعد على نمو الإنتاج
وازدهاره لأن أغلب سكانها يعيشون قرب خط الفقر أو تحته.
ولا تتحكم أجهزة الدولة فيها على جزء كبير من النشاط الاقتصادى بسبب اتساع القطاع
غير الرسمى.
أما القطاع الرسمى فإنه يخضع لسيطرة صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى للإنشاء
والتعمير.
حتى الحياة السياسية تسايرها القوى الدولية الخارجية بحكم هيمنتها الاقتصادية
وقواتها العسكرية وقدرتها على التدخل المستمر فى شئونها
الداخلية.
وفى
العصر الحالى لم تتوقف الشركات المتعددة
الجنسية عن اختراق السيادة الوطنية لهذه الدول وحصارها من كل الجوانب.
اليوم أغلب السلع والخدمات، والصفقات
المالية، ووسائل الترفية والنشر تنتجها هذه الشركات. فى مرحلة تحول فيها العالم إلى
عالم معولم،
ويتجه نشاط هذه المؤسسات ذات القدرات الجبارة فقدت الدول قدرتها على التحكم السيادى
فى القرارات الاقتصادية،
والسياسية، والثقافية.
وتنخر
العولمة تنخر
فى بقايا الرأسمال الوطنى الذى يشكل أهم الأسس
فى قيام وبقاء الدولة
الوطنية الحديثة.
إن
الطابع المعولم للاقتصاد الذى يسمح بأن تتخذ القرارات السيادية بعيدا
عن الأرض الوطنية التى تطبق فيها
القرارات، وأن تحدد نسب
الفائدة والعجز المالى،
وقيمة العملة،
وسعر المواد الأولية،
وحجم البطالة،
وأن يتقرر
إعادة تسكين صناعات بأكملها عن طريق نقلها من مكان إلى مكان، أو من قطر إلى قطر
كادت الأنشطة السيادية الاستراتيجية أن تزول عن الوجود.
أخذتها على عاتقها شركات مقراتها فى الخارج بل فى بلاد ظلت تعتبر منذ زمن طويل بلاد
الخصوم.
من أكثر
العوامل المضعفة للسيادة الوطنية هى تلك المرتبطة بعولمة العمليات المالية.
فقد أدت إلى أن تفقد الدولة سيطرتها على عملتها الوطنية، وعلى سياساتها المالية.
النظام المالى الدولى أصبح صالة ضخمة للمقامرة.
ففى كل يوم تتم مضاربات بملايين الدولارات فى العملة الأجنبية المملوكة للدول الخمس
الأكثر ثراءاً فى العالم.
التغير فى قيمة إحدى العملات بالنسبة لعملة أخرى يمكن أن تترتب عليه آلاف
التفليسات، أو رواج فجائى تنتج عنه مكاسب باهظة لبعض الأطراف،
أو تضخم فى التكاليف، أو
بطالة واسعة النطاق، أو تشجيع للاستيراد. وجميع هذه المقامرات أو المضاربات تتم
إلكترونياً بسرعة الضوء بواسطة السماسرة الدوليين فى "نيويورك"، أو "لندن"،
أو "طوكيو"،
أو "فرانكفورت"،
أو "باريس"، أو
"سنغافورة"،
أو "هونج كونج".
ارتبطت عملية
العبور فوق الأوطان،
وعولمة
الاقتصاد بثورة علمية وتكنولوجية لم يسبق لها مثيل ترتب عليها خلق إمكانيات تكاد لا
تصدق لتحقيق الرفاهية للناس، لكنها فى الوقت نفسه سببت مشاكل وصعوبات هائلة ليس
أقلها ما سببتها للدول "شبه
القومية".
فالإنتاج الصناعى الآن يتضاءل فيه الاحتياج إلى المواد الخام،
وإلى الطاقة بالنسبة إلى كل وحدة من الإنتاج وذلك
نتيجة اختراع البدائل، والمواد المصنوعة بدلاً
من الطبيعية،
واستخدام الإدارة المبرمجة بواسطة الكومبيوترات.
أصبحت الشركات المتعددة الأوطان أو الجنسيات قادرة على أن تنتج فى معاملها تلك
المنتجات الزراعية التى تعتمد عليها البلاد "المتخلفة" فى التصدير منذ سنين. وأن
تخلق مواداً صناعية تحل محل معادن مثل النحاس،
أو الصلب،
أو الحديد.
ومع تقدم هذه الاتجاهات التكنولوجية الحديثة
سيفقد
الاقتصاد الخاص بالدول المتخلفة
قدرته على الحياة
إلى درجة تحال
فيها إلى وضع المنتجة للسلع التى أصبحت عتيقة،
غير صالحة للمنافسة فى سوق الشراء.
التنافس بين الشركات العابرة للأوطان يرغمها على إدخال التحكم الآلى والإدارة
الكومبيوترية فى أساليب الإنتاج.
هكذا تتسبب فى قدر من البطالة يفوق عدد الوظائف التى تستوعبها مشاريعها الجديدة.
بينما ينضم إلى سوق العمل 47 مليون شخص على نطاق العالم وما يقرب من نصف مليون شخص
فى مصر سنوياً. وإزاء
الانفجار السكانى الخطير
من المتوقع أن يصل أعداد
العاملين فى البلاد المتخلفة إلى أرقام مهولة يصعب تقديرها.
إن الهشاشة التى تعانى منها
الدولة الوطنية فى بلاد
الجنوب
هى
نتيجة سنين السيطرة الاقتصادية
والسياسية والثقافية التى فرضها عليها الاستعمار، مما
أخر
نموها وحال دون أن تتوفر الأسس
التى تقوم عليها الأمة،
أى إلى
القاعدة التى تستند إليها الدولة
الوطنية المستقلة.
كما أصبحت
سيادتها تحترق
باستمرار فى هذا العصر وذلك بواسطة الشركات العابرة للأوطان والمنظمات
الدولية
التى تقوم بتنظيم وتقنين الاقتصاد
العالمى لصالحها.
وهذا
يؤدى إلى
أن
أهم القرارات الخاصة بالأوضاع
المالية والاقتصادية فى هذه البلاد لا تخضع للدولة الوطنية بل تتخذ بعيداً عنها وعن
مصالحها.
فى الوقت نفسه
تتزايد الظروف غير
المواتية لأحداث تنمية اقتصادية حقيقية فى هذه البلاد نتيجة التقدم التكنولوجى الذى
تحقق فى ظل العولمة الرأسمالية،
والذى مكن الشركات العابرة للأوطان، والاستعمار الجديد بقيادة الولايات المتحدة من
اخضاعها لعملية تهميش
متفاقمة وإبقائها
فى أوضاع تزداد تخلفاً، الهوة بينها وبين البلاد الصناعية المتقدمة.
بالاضافة إلى كل ذلك
هناك عمليات أخرى
كفت
فى عضد
الدولة الوطنية. فالشركات العابرة للأوطان استفادت من عمليات التخصيص لكى تقوم
بتسيير اقتصاديات الدولة "شبه القومية" عن طريق الاستثمار المباشر فى بعض المشروعات
وسيطرة وكلائها على الشركات الخاصة، وعن طريق القروض، وسياسات "التكييف الهيكلى"
التى شرع لها البنك الدولى للتعمير والإنشاء بهدف ضمان خدمة الديون
وتسديد اقساطها .
إقامة المدن الحرة
فى السابق كانت
محاولات " التنمية " تتم عن طريق الدولة الوطنية وتعتمد على القرارات التى تتخذها
حتى إن كان الكثير منها مفروضاً عليها من القوى الأجنبية.
لكن
فى هذه المرحلة يوجد تطور
آخر
وخطير يسلب الدولة الوطنية ما
تبقى لها
من سيطرة على الاقتصاد. هذا التطور هو نشوء
ما تسمى "بالمدن الحرة".
ظاهرة جديدة
تقترن بهذا التطور
هى
عملية بلقنة
أو تفتيت قومى أو
حتى "قبلى" فى بعض الأحيان
داخل الدول الوطنية المتقدمة والدول شبه الوطنية على حد السواء.
فى الدول الغنية
يتزايد
اصرار
عدد من التجمعات الإثنية
أو الأقليمية
على التمتع بنوع من الاستقلال الذاتى فى إدارة شئونها
الاقتصادية والسياسية.
مثال ذلك ما يحدث مع سكان أسكتلاندا، وكتالونيا، والباسك، والوالون، والالزاس،
وبافاريا، وكويبيك، وكاليفورنيا، الذين يسعون وراء هذا الاستقلال حتى يتمكنوا من الحاق
اقتصادهم بالاقتصاد المعولم
مباشرة.
كذلك يؤدى
قصور الدول الوطنية فى
إداره
شئون شعوبها نتيجة خضوعها لمتطلبات الشركات العابرة للأوطان،
الى تشجيع الحركات الانفصالية فى
عشرات المدن مثل ليون،
وميلان، وستوتجارت،
وبارشلونة، وأنتويرب،
وروتردام التى
أخذت تتحرر من قيود العاصمة، والقرارات المركزية. كذلك توجد مناطق اقتصادية مكونه
من عدة مدن تنتمى إلى أكثر من بلد تكتلت
لتقيم مراكز اقتصادية نشطة تباشر نوعا من الاستقلال الذاتى. مثال ذلك مثلث ليبج،
وماستريخت، وأخن
الذى يتخطى حدود بلجيكا، وهولاندا، والمانيا. كذلك الحال بالنسبة الى عصبة مدن
البلطيق.
هذه
الظواهر توحى بأن "الدولة المدنية" التى قامت فى عهد النهضة يمكن أن تعود من جديد
بصورة أخرى. ومن الممكن أن تنتشر هذه الظاهرة على نطاق العالم خلال القرن الواحد
والعشرين حيث سيصل السكان فى عديد من المدن إلى ما بين عشرة وعشرين مليونا.
فى
الصين توجد سلسلة من المناطق الاقتصادية الذاتية على الساحل ارتباطها بالاقتصاد
العابر للقارات أقوى من علاقاتها بالعاصمة "بيجينج" وهى فى الوقت نفسه تكاد تكون
مفصولة عن أقاليم الصين الشاسعة التى مازالت تعانى من الفقر الشديد.
أما
فى مصر
فقد
نشأت أخيراً منطقة اقتصادية خاصة
صدر لها تشريع بقرار جمهورى يجعلها خاضعة لإداره
ذاتية تتمتع بسلطات واسعة فى تسيير شئونها، ولا تخضع للقوانين الاقتصادية السارية
فى البلاد.
هذه المنطقة هى ميناء "العين السخنة".
ويتحكم فيها إلى درجة كبيرة عدد من أغنياء مصر وكلاء الشركات الأمريكية العابرة
للقارات، وعلى رأسها الملياردير أحمد عز. وقيل أن هناك منطقة أخرى خاصة يعد
لها فى
"شرق
التفريعة".
فالشركات العابرة للأوطان ليست فى حاجة الى مناطق شاسعة فى الكرة الأرضية يقطنها
الفقراء.
إنها فى حاجة فقط إلا قطاعات السكان التى تتمتع بقدر من الرفاهية تجعلها سوقاً
لمنتجاتها. مناطق فيها قوى عاملة فنية أو مدربة لاسيما إذا كانت أجورها منخفضة
نسبياً، ولا تشملها ضمانات اجتماعية أو تشريعات عمالية تحد من قدرة الشركات على
استغلالها. مناطق خضعت لعمليات التحديث أو فيها ثروات أو مواد أو حاصلات يحتاج
إليها الاقتصاد الدولى الحديث. أما ما تبقى من بشر فالعولمة ستخضعها لمزيد من التهميش.
التطور
التكنولجى الحديث يسمح للشركات العابرة للأوطان بالتعامل مع أبعد المدن والمناطق،
وإخضاعها لإدارتها وتسيير اقتصادها بمرونة شديدة. كما أن هذه البلقنة، وهذا التفتيت
يجعل السيطرة عليها من الناحية السياسية أكثر سهولة. مما يفسر تلك الظاهرة التى
تبدو متناقضة وهو من ناحية مركزة وتمركز المال، والقوى الاقتصادية فى أيد قليلة،
وإلى حد لم يسبق له مثيل وعملية تفتيت الشعوب،
والدول الوطنية أو "شبه
الوطنية" واستشراء المنازعات العرقية والدينية والجنسية فى "الشمال"، وعلى الأخص فى
"الجنوب".
تحولت الدول
"الوطنية" وشبه "الوطنية" عموما إلى دول تشجع الاستثمار العابر للأوطان على
أنه
السبيل إلى تحقيق "التنمية" وهو وهم حل محل الأوهام السابقة على
زعم
إنه
لا يوجد خيار آخر أمامها. منذ سنة 1980 قاموا جميعا بتغيير سياستهم الاقتصادية فى
اتجاه "التحرير" والتخصيص، وإلغاء القوانين، والقواعد التى تقف حجر عثرة فى سبيل
هذا "التحرير" المزعوم لأنه لصالح أقلية ضئيلة دون الأغلبية الساحقة من الجماهير.
هكذا خلقوا الظروف التى تسمح
للشركات
العابرة للأوطان بالدخول إلى أسواقها والسيطرة عليها، وضمها إلى السوق العالمى، أى
ترك الرأسمالية الوطنية لتحتضر فى مواجهة المنافسة الدولية بعد أن يختفى سوقها.
الدولة
الوطنية، وعلى
الأخص الدول شبه
الوطنية التى كانت خاضعة للاستعمار القديم، والتى خضعت الآن لاستعمار جديد، تحولت
إلى جهاز إدارى، أو
وكيل يقوم بتسيير مصالح
وتلبية احتياجات رأس المال العابر للقارات.
غدا
دورها الأساسى هو دور المدير الكفء الذى يقوم بمهمه إقرار السياسات وسن القوانين
التى تخدم مصالح هذه الشركات وتسهل استغلالها للمواد الاقتصادية والبشرية الموجودة
فى البلاد.
من هنا ما يحدث فى مصر منذ سنوات فى مجال إصدار التشريعات، وإلغاء الضمانات
الاجتماعية، والقوانين التى كانت تصون بعض الحقوق العمالية. من هنا عمليات الخصخصة،
والتكييف الهيكلى وغيرهما من الإجراءات.
من هنا البطالة المتفاقمة والحديث عن أهمية تطوير التعليم، والتدريب، وتكوين قوى
عاملة فنية مؤهلة للعمل فى الخدمات والمنشئات
التى تحتاج اليها الشركات العابرة للأوطان.
ومن هنا الاهتمام بالأمن
الداخلى والوسائل القمعية، وقوات البوليس، ووسائل التجسس الحديثة،
وقانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات لمواجهة السخط الشعبى المتزايد،
والتطرف الدينى، والسياسى الذى ينتج بشكل أساسى عن تزايد الفقر، وعدم الاستقرار،
والخوف من احتمالات المستقبل،
وانحلال
النسيج الاجتماعى والقيمى للمجتمع دون أن تحل محله
قيم ونظم قادرة على مسايرة العصر الحديث. من هنا ملايين المهمشين وانتشار الجريمة،
ووسائل التكسب الفاسدة والطفيلية فى مختلف نو |