Articles مقالات

نشرت بجريدة القاهرة - 16 مايو 2007

"بابل"

شريف حتاتة *

 

     هذه هى أول مرة أمسك فيها بالقلم لأكتب ما يمكن أن يسمى نقداً فنياً . ربما كلمة نقد لا تنطبق على الموضوع الذي أكتبه الآن, لأن رأيي هو أن أغلب النقاد أضفوا عليه أسلوباً في الممارسة لا أستريح إليه, أسلوباً جعلني أتخيلهم وهو ينقضون على الجسد الحي للعمل الفني ليمزقوه إلى أجزاء , بحثاً عن المسالب والأخطاء , أو عن تطبيق نصوص تم صياغتها من قبل . الإبداع في جوهره معني بالجديد , بالحاضر والمستقبل , أما النقد فهو ينتمي إلى مدارس ونظريات تم بلورتها في الزمن الماضي . الإبداع إن كان إبداعاً بالفعل من المفروض أن يتجاوزها ويتركها تلهث وراءه .

 

     ما أثار عندي هذه الخواطر هو أنني قرأت بعضاً مما نشره النقاد في الخارج عن فيلم "بابل " فأشعرني أنني لست مؤهلاً لأن أكون ناقداً , لكنه في الوقت نفسه دفعني إلى الإقدام على الكتابة عن هذا الفيلم , للتعبير عما أحسست به وأنا جالس لما يقرب من ساعتين أشاهد, وأستمع , وأفكر فيما جرى أمامي على شاشة العرض.

 

     عندما أقرأ أو أشاهد عملاً إبداعياً أجد نفسي أحياناً مدفوعاً إلى اكتشاف ما أمتعني فيه , وجعلني أكثر فهماً للفن والحياة . أنا مشاهد أو قاريء عادي قد أتأمل الأسباب التي تجعلني أستمتع أو لا أستمتع , أستفيد أو لا أستفيد , أزداد قدرة على التقاط ما يصنع الجمال, أو الحقيقة في العمل الفني . 

 

     عادت إلي هذه المعاني عندما رأيت فيلم "بابل" . بعد أن انتهى العرض جلست في الصالة فترة طويلة كأنني لا أريد أن أغادرها . في أذني كانت تتردد أنغام "جوستافو سانتا أولالا " الذي نال جائزة الأوسكار 2006 لأحسن موسيقى تصويرية , وأمام عيني كانت تتوالي التترات النهائية شملت أسماء ممثلين وفنيين شاركوا في الفيلم من أربع بلاد هى "المغرب" , والمكسيك, والولايات المتحدة , واليابان التي جرت فيه أحداثه . ربما لذلك اختار السيناريست المكسيكي "جويليرمو آرياجا " نال جائزة التأليف في مهرجان الجولدن جلوب لسنة 2006 , أن يسمى الفيلم "بابل" .  فهذا الاسم في أغلب الظن مشتق من أسطورة في التوراة اليهودية تحكي أنه في يوم من الأيام عاشت إمرأة ملكة كان لها تلك الصفات الشيطانية التي ألصقت بالمرأة منذ أدم وحواء . سعت هذه المرأة إلى بناء برج يرتفع عالياً في السماء . وقد أغضب ذلك إله السموات لأنه رأى في هذا العمل تحدياً لمقامه وسلطاته, فسعى إلى بذر بذور الإنقسام بين من شاركوا في إقامته, وذلك عن طريق جعلهم يتحدثون بلغات مختلفة , فأصبح التفاهم والتعاون بينهم أمراً مستعصياً ودب الخلاف في صفوفهم مما أدى إلى انهيار البرج بعد أن قاموا ببنائه.

 

   "بابل " هو الفيلم الأخير في سلسلة مكونة من ثلاثة أفلام . الفيلم الأول كان اسمه "آموريس بيروس " ويعني "الحب المفقود" . الثاني عنوانه "واحد وعشرين جراماً " وهى جميعاً نتاج للتعاون بين كاتب السيناريو " جويليرمو آريجا" , وصديقه المخرج المكسيكي " أليخاندرو جونزاليس إيناريتو" . نال فيلم " بابل " جائزة أحسن فيلم في مهرجان "الجولدن جلوب " الأمريكي لسنة 2006 , كما رُشح مخرجه لجائزة "السعفة الذهبية " في مهرجان "كان" السينمائي لسنة 2006 . لكن بالنسبة إلى لم تكن الجوائز عنصراً في إحساسي بالفيلم , فلم أكن أعرف شيئاً عنها عندما رأيته . عرفت فيما بعد أن الفيلم لم ينل سوى جائزة الموسيقى في مهرجان الأوسكار لسنة 2007 بينما حصل فيلم " الراحلون " لـ " مارتن سكورسيزي" على جائزتي أحسن إخراج وأحسن فيلم في مهرجان الأوسكار لسنة 2007 , هذا بينما لم أر في هذا الفيلم شيئاً يستحق التقدير .

 

    فيلم "بابل " ينتقل بنا بين أربع بلاد ونتابع فيه حوارات وأفكار يتم التعبير عنها بخمس لغات هى اللغة المغربية الشعبية , واللغة المكسيكية الشعبية, واليابانية , والإنجليزية الأمريكية, وقليلاً من الفرنسية. في الفيلم يبتاع مزارع مغربي يحيا في منطقة جبلية , ويرعى الأغنام بندقية آلية تستخدم في الصيد من أحد جيرانه, ويآمر ولديه باستخدامها لقتل الذئاب التي تفترس أغنامه . في مباراة تدور بينهما لاكتشاف من فيهما أكثر براعة في إصابة الهدف يطلق الولد الأصغر , وهو صاحب شخصية ملفتة للنظر, رصاصة على أتوبيس يحمل مجموعة من السياح الأمريكيين , فتصاب إمرأة أمريكية في عنقها ويتدفق منها النزيف على نحو يُهدد حياتها . وهذا في المنطقة الجبلية المعزولة عن وسائل الإغاثة والعناية الطبية .

 

   يتضح من عدة لقطات سابقة على هذا الحادث أن بين المرأة المصابة وزوجها خلاف أدى إلى إبتعاده عن بيت الزوجية فترة , أن العلاقة بينهما لهذا السبب باتت مشروخة. لكن الزوج إزاء الحادث المروع يبذل جهوداً مجنونة لاستعاد سيارة إسعاف تحمل زوجته إلى أقرب مستشفى , يساعده في ذلك رجل قروي ينقل المرأة المصابة إلى بيته . هكذا تتدخل أطراف مختلفة في المأساة , فنشاهد أثناءها التناقض البين الذي يظهر بين السياح الأمريكيين راكبي الأتوبيس الذي لا يهمهم سوى استئناف رحلتهم تاركين المرأة المصابة وزوجها لمصيرهما , وبين الأسرة القروية البسيطة التي تستقبلهم وترعاهم في بيتها , ومن بينهم الأم العجوز, المتغضنة الوجه , الصامتة , التي تُشعل غليونها الطويل وتضع فيه قليلاً من "الحشيشة" ثم تتحايل على المرأة المصابة حتى تأخذ منها أنفاساً تلطف الآلام التي تُعاني منها , وبما فيهم الشاب الذي حملها إلى بيته, وساعد الزوج في الاتصال بالمسئولين في السفارة الأمريكية , وبمربية أطفاله المكسيكية لإبلاغها أنه هو وزوجته سيتأخران في العودة إلى البيت .

 

     هكذا يأخذنا الفيلم إلى بيت الزوجين في أمريكا حيث يُوجد لهما طفلان , بنتاً وولداً ترعاهما المربية المكسيكية . لكن ابن المربية الموجود في المكسيك تحدد يوم عرسه , والأم تريد أن تحضر هذا العرس. تبحث دون جدوى عن من يحل محلها في رعاية الأطفال أثناء غيابها , وعندما تفشل تتصل بابن أخيها "سانتياجو" ليحضر بسيارته القديمة, وينقل خالته والطفلين عبر الحدود إلى المكسيك لحضور العرس . وهناك نشاهد إحتفالاً شعبياً جميلاً في بساطته وتلقائيته , وفرحة الطفلين الذين انتقلا من برودة وعزلة البيت الذي تربيا فيه إلى جو مليء بالمرح والدفء . بعد أن ينتهي العرس يعودون في سيارة الشاب "سانتياجو" وعند الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة يُوقفهم حراس الحدود فنرى فظاظة تعامل هؤلاء الحراس الأمريكيين مع أناس "غلابة" من هذا النوع , وإكتشافهم أن المربية مهاجرة غير قانونية , فيندفع الشاب المكسيكي الثمل في محاولة للإفلات بالسيارة وركابه, ثم يتركهم في البراري المعزولة عند الحدود . وبعد ساعات من العذاب والبحث تهتدي المربية إلى سيارة بوليس تنقذها هى والطفلين لينتهي بها الأمر في قسم البوليس . هناك تُبلغ أنه سيتم طردها من الولايات المتحدة التي استقرت فيها منذ أكثر من ثمانية عشرة عاماً فنراها عائدة إلى المكسيك ليستقبلها ابنها الذي حضرت عرسه منذ أيام.

 

    في جبال المغرب يُحاصر البوليس القرية بحثاً عمن أطلق الرصاص على السائحة الأمريكية . يتعامل مع السكان بالقسوة التي تعود المسئولون على ممارستها مع البسطاء من القرويين, خصوصاً أن الحادث صُور على أنه فعل أحد الإرهابيين, أو عصابة إرهابية مجهولة , وتنطلق التصريحات من مسئولين في السفارة الأمريكية, ومن السلطات المغربية , ومن وسائل الإعلام المختلفة معززة هذا الاتجاه, إلى أن يتم إنقاذ المرأة المصابة , وإطلاق الرصاص على الابن الأكبر للقروي الذي ابتاع البندقية وقتله بعد معركة تدور في الجبال . أما الابن الأصغر فيستخدم البندقية للدفاع عن الأسرة ويقتل أحد ضباط القوة التي تحاصرهم , ثم يسلم نفسه صارخاً أنه هو الذي أطلق الرصاص على الأتوبيس وأصاب المرأة الأمريكية .

 

    في الوقت نفسه يتم الإنتقال إلى "طوكيو" في اليابان حيث تقود تحريات الشرطة اليابانية إلى رجل ياباني أرمل من أغنياء رجال الأعمال يهوى الصيد , ويتضح أنه باع البندقية لأحد القرويين المغاربة كان يعمل دليلا له أثناء رحلة صيد في المغرب. لهذا الرجل الياباني ابنة مصابة بالصم والبكم انتحرت أمها, وتركتها يائسة ضائعة تبحث عن الحب بأية وسيلة , فتنساق في مغامرات خطيرة في المخدرات والجنس والرقص المجنون مع شباب ياباني ضائع مثلها. لكن بعد أن تشاركهم مغامراتهم تبتعد عنها عائدة إلى البيت لتستدعي رجل البوليس الشاب الذي زارهم من قبل للقيام بتحريات عن البندقية لبعد أن شعرت بتعاطفه معها . عندما يحضر تحكي له مأساتها بالكتابة على قصاصات من الورق, وتخلع ملابسها وتقترب منه فيحتضنها دون أن يمارس معها الجنس .  

 

   هذه الأحداث تقود إلى إلتئام العلاقة بين الفتاة وأبيها وتُحطم حاجز الغربة الذي يُفرق بينهما, كما تقود إلى إلتئام العلاقة بين الزوجين الأمريكيين ليقول الفيلم أن الأزمات والألم يمكن أن يُعيدا مشاعر الحب إلى ما كانت عليه , وأن تُزيداها عمقاً .

 

    في هذا الفيلم نجح كاتب السيناريو " جويليرمو آريجا " والمخرج " أليخاندرو جونزاليس إيناريتو " في أن يصنعا فيلماً لا يتعرض إلى السياسة بشكل مباشر , ومع ذلك يُجسد حقيقة الترابط الموجود بين الشعوب في كل مكان , أن مصير البشرية في هذا العصر أصبح واحداً على نحو لم يسبق له مثيل . أن الانسان العادي مطحون في كل مكان سواء أكان صبياً مغربياً أو فلاحاً يعيشان في الجبال , أو فتاة يابانية وحيدة مكتوب عليها الصمت , أو إمراة مكسيكية مهاجرة , أو زوجان أمريكيان في رحلة سياحة , أن الحكومات والسلطات تُرهبنا باسم محاصرة الإرهاب , وتمارس أبشع أنواع القتل على صبي مغربي صغير, وأبشع أنواع القهر على مهاجرة مكسيكية فقيرة . أنه في عالم اليوم , وفي ظل المجتمع الرأسمالي الأكثر تقدماً " مثل اليابان " يضيع الشباب في "زار" المخدرات والرقص والجنس كمحاولة يائسة للتغلب على الوحدة القاسية , وضياع الهدف اللذان يعانيان منهما , أن العواطف الإنسانية هى المنقذ من هذا الجحيم الذي أصبحنا نعيشه جميعاً . كما نجح في إقناعنا بحساسية ملفتة للنظر أنه لا يوجد مخرج للانسان سوى بالحب , والتضامن في مواجهة الذين لا يطيقون أن يعيش الناس حياتهم المتواضعة في سلام,  وفي أن يقدم لنا عن طريق تصوير "رودريجيري بييترو" الرائع لقطات تجسد قسوة المدينة الحديثة ( طوكيو) بمبانيها الضخمة القاهرة للفرد وتُشعره بضآلته , وجمال الريف والجبال في المغرب , وتنوع وثراء البشر بوجوههم وعاداتهم, وبالإنسانية والمشاعر التي تجمعهم , وكذلك بالاختلافات التي تميزهم وتُزيد الحياة ثراءً . ولقطات آخرى لمنظر الهليكوبتر وهو يحمل المرأة الجريحة ويرتفع في الليل, لحياة القرية المغربية وناسها , أو لجنون الرقص الذي يندفع فيه شباب العصر المخدر والضائع , أو للمدينة الحديثة بأضوائها الجميلة وبقسوتها الساحقة في الوقت نفسه .

 

   أما الممثلون فقد قدم عدد منهم دورهم بأسلوب مقنع لا تصنع أو مبالغة فيه مثال "أدريانا بارازا " في دور المربية المكسيكية طيبة القلب التي ترعى الطفلين بحرص حتى آخر لحظة وبعد أن تركهم ابن اخيها "سانتياجو" في صحراء الجزء المكسيكي من الولايات المتحدة والتي تحيا لحظات من السعادة أثناء عرس ابنها. والممثلة  الشابة "كييكو كيكوشي " في دور الفتاة اليابانية التي تعاني الصم والبكم والضياع وتبحث عن الحب في مدينة كالوحش تلتهم بناتها وأبنائها , وتسلمهم لليأس. و"براد بيت " الممثل الأمريكي الذي قام بدور المرأة المصابة في عنقها مبتعداً بذلك عن الأدوار التقليدية في الأفلام الأمريكية المعاصرة التي تسعى لإرضاء مقاييس شباك التذاكر.

 

   وأنا جالس في الصالة أقرأ التترات لاحظت أنها شملت كل من شارك في الفيلم بداية بالمخرج وكاتب السيناريو والمنتح وغيرهم وانتهاءاً بسائقي السيارات . لم تغفل أحداً , فقلت لنفسي أن الفن قبل كل شيء إعلاء لانسانية الانسان وقيمته.

   

 

 

 

* روائي مصري