spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

المجلس الأعلى للثقافة
مؤتمر المرأة والإبداع
26 أكتوبر – 1 نوفمبر ‏2002
 

إبداع المرأة بين حصار السلفية ومصيدة التحرر

د. شريف حتاتة

ا

"لنقف مع كل امرأة فضلت أن تدفع الثمن لكى تعيش حرة، بدلا من أن تدفع الثمن لتظل عبدة". نوال السعداوى

 

إننا جميعا نولد مبدعين. الإنسان امرأة كان أو رجل مبدع بالطبيعة. فبدون هذه القدرة على الإبداع لا يستطيع البقاء، لا يستطيع التعامل مع الطبيعة، والمجتمع، مع ظروف الحياة المتغيرة على الدوام.

الطفل أنثى كان أم ذكر يولد مبدعا. إنه صاحب خيال، لكن خياله ينطلق من الواقع الذى يراه، ويحس به. ينطلق من الحقيقة. الطفل يميل إلى الصدق. من هنا جاءت القصة المشهورة عن الطفل الذى رأى الملك سائرا فى المدينة فوق صهوة جواده، عاريا، بلا ملابس. عندما مر موكبه فى الشوارع هلل الناس وهتفوا: "ما أجمل الملابس التى يرتديها الملك". لكن الطفل أشار إليه بيده وقال فى صوت رنان: "أنظروا، أنظروا، الملك. إنه لا يرتدى ملابس. إنه عار".

هذه القصة تشير إلى خلل فى حياتنا. تشير إلى أنه عندما نكبر نكف عن ممارسة الصدق، عن رؤية، وقول الحقيقة. لا نرى الظلم، أو الكذب، أو الإعوجاج، أو الزيف، أو المفارقات فى حياتنا. ومن يراها أو يعترض عليها يوصف بأنه طفل لم ينضج بعد، أومجنونأصابه "مس"، أو متطرف، أو شاذ، أو مشاغب يجب عقابه، و إسكاته، فيصمت. إذا استمر فى اعتراضه يدفع الثمن. والمرأة بالذات إذا رفعت صوتها بالاعتراض تنهال عليها الاتهامات لتعود إلى الصمت.


 

وأد الطفل

الحياة الزائفة التى نعيشها توئد الطفل فى أعماق النفس، وتقتل الإبداع. فالإبداع صدق قبل أن يكون شيئا آخر. الطفل فينا توئده تربية الأسرة، أو المدرسة، أو الثقافة، أو وسائل الإعلام، أو قيم المجتمع، أو نصائح الأقران. يوئده الخوف من العقاب فى الأرض، أو فى السماء. عقاب الأب، أو المدرس. عقاب الحكام، أو الأرباب.

يدفن الطفل فى أعماقنا، ويدفن معه الصدق، والخيال. يموت الإبداع. فالإبداع هو القدرة على رؤية حياة غير الحياة، وعالم غير العالم الذى نعيش فى ظله فهو عالم تحول إلى ساحة للإرهاب يقضى فيها القوى على الضعيف بقوة السلاح أو المال. الإبداع قدرة على رؤية عالم بلا كذب، وبلا ظلم. بلا عدوان يستطيع أن يعيش فيه الإنسان فى سلام. بلا تفرقة على أساس الطبقة، أو اللون، أو العرق، أو الديانة. بلا تفرقة بين الرجل والمرأة على أساس الجنس.

المبدعون الحقيقيون، نساء، أو رجال يشعرون بالغربة إزاء الحياة كما تعاش الآن، وكما عاشها أسلافنا. الأحلام تأخذهم، تستولى عليهم، تبعدهم عن الصغائر. إنهم أطفال فى غضبهم، فى تطرفهم. فى إصرارهم على التضحية بأى شىء، ما عدا ما يبدعون، لأنه يعطى معنى لحياتهم. من خلاله يسعون إلى التغيير، إلى صنع ما هو مبهر، وجميل، وإنسانى، إلى صنع عالم آخر ليس فيه القبح الذى يفسد حياتنا.

الإبداع الحقيقى شجاع مثل الطفل. فيه شجاعة الإفصاح عن أكثر الجوانب حساسسية فى الحياة. يواجه المحرمات التى تكبل العقل، والوجدان. يحطم جدران الصمت والكتمان. يسأل حيث لا يجوز السؤال.. يتساءل عما يبدو بديهيا، ومسلما به، وطبيعيا لأننا تعودنا على رؤياه. الطفل دائم السؤال عن الخلق وكيف تم. عن الجنس وأسراره. عن التفرقة بين البيض والسود، أو الولد والبنت، أو الغنى والفقير.

السعادة هى انطلاق الطفل الذى يعيش داخلنا ويجعلنا نرقص، أو نغنى، أو نضحك بصوت عال. هى التخلص من القيود التى تسجن إبداعنا. هى الشعور بأن كل ما نملكه من قدرات، وخيال يجد فرصته للتعبير عن نفسه. والحزن هو الشعور بأننا مكبلون، أن لدينا طاقة مختزنة، وقدرات مكبوتة لا يحتاج إليها الناس، أو المجتمع، أو الوطن. أنه لا مكان لها فى العالم.


 

القهر المزدوج

المرأة والرجل فى كل هذا سيان. لكن المرأة أكثر تعرضا لفقدان قدراتها الإبداعية فالقيود التى تكبلها أكثر من تلك التى تكبل الرجل، والقهر الواقع عليها، أثقل من القهر الواقع على الرجل. فرص الحياة المتاحة لها أقل من تلك المتاحة للرجل بحكم تقسيم العمل، والأدوار التى يفرضها عليها المجتمع وبحكم منظومة القيم التى تخضع لها.

القهر الواقع على المرأة مزدوج. قهر يرتبط بالعلاقات الطبقية التى تفرق بين مستويات السلم الاجتماعى وتفرض استغلال الأعلى للأدنى وهو قهر يعانى منه الرجال والنساء على حد سوءا وإن كانت المرأة أكثر عرضة له بحكم أوضاعها، وقهر آخر جنسى لا يشاركها فيه الرجل يرتبط بكونها امرأة. قهر أبوى يفرضه عليها الرجل.

هذه العلاقات الطبقية الأبوية التى تحكم المجتمعات كلها شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، وإن كان إلى درجات متفاوتة، نشأت فى مصر منذ خمسة آلاف سنة مع بداية عصر الفراعنة، عندما انقسم الناس إلى أسياد وعبيد أى مع المجتمع العبودى. اقترن هذا التطور التاريخى بطفرة فى المجتمع، وفى المعرفة. نشأت معه طبقة حاكمة تتمتع بقدر من الرفاهية وبقدر من الفراغ أتاحتا لها، وأتاحتا لمفكريها، وفلاسفتها فرصة للتفكير والتأمل فى شئون الحياة والمجتمع. وارتبطت هذه المرحلة بظهور الإنتاج الزراعى والمراعى، وتربية الحيوان، والصناعات الحرفية الأولى.

لكن عندما انقسم المجتمع إلى عبيد وأسياد فقدت المرأة بالتدريج الوضع المتميز الذى كانت تتمتع به قبل نشوء المجتمع العبودى ففى ذلك الوقت سادت حضارة لها صفات أموية وفيها آلهة إناث مثل "إيزيس" إلهة المعرفة، و"نوت" إلهة السماء، والعدل. مع هذا التطور أصبحت المرأة مثل العبيد والدواب من مقتنيات الرجل. لذلككلمة "الفاميليا" فى العهد الرومانى والتى تعنى الأسرة، كانت تشمل العبيد والدواب، والنساء المملوكات لرب الأسرة، أى للرجل.

ترتب على ذلك تطور آخر هام فى مجال الفكر والفلسفة فقبل أن ينقسم المجتمع إلى عبيد وأسياد كان المجتمع موحدا إلى حد كبير، وكانت الإلهة "نوت" تحكم السماوات والأرض بالرحمة. لذلك نجدها مرسومة على الجدران بجسمها الفارع وذراعيها وهى تحتضن البشرية والعالم كله. كانت المعرفة فى هذا الوقت لا تفصل بين العقل، والروح والجسد لكن عندما انقسم المجتمع إلى سيد، وعبد، وإلى حاكم ومحكوم أصبح استتباب الحكم، واستقراره يستلزم تقسيم المحكومين حتى لا يشكلوا قوة متمردة فاعلة ضد الأسياد. من هنا جاء المثل الذى يقول "فرق، تسد"..

انعكس هذا التقسيم فى الفكر، وفى الفلسفة. انقسم البشر بينأناسيفكرون (الحكام، الكهنة، مستشارو الملك، الوزراء، حكام الأقاليم، المنجمون، الأطباء، الكتبة ألخ) وأناس يعملون (العبيد، الأرقاء، الفلاحون، الصناع العبيد إلخ). أى حدث انقسام بين الفكر والعمل (الفعل). وحدث انقسام بين الفكر والروح والجسد. فالحكام هم الفكر والروح، والعبيد هم الجسد الذى يعمل. أى انقسمت المعرفة، ومع هذا الانقسام أصبح موطن الفكر هو العقل أو الرأس أما العواطف فأصبح موطنها القلب أو الكبد، أى الجسد .. أصبحت المرأة جسدا يملكه الرجل وأصبح الحاكم العقل. الرجل هو وحده الذى يملك عقلا أما المرأة المحكومة فهى شأنها شأن العبيد جسد بلا عقل تسيطر عليه المشاعر، والعواطف البدائية، المتوحشة أحيانا، الحنونة المتآنسة أحيانا أخرى، أو المتقلبة التى لا يحكمها منطق، ولا يؤمن جانبها. وحيث أنها بدائية، متوحشة فلم يطل الزمن حتى اقترنت بالإثم ففى التوراة أكلت "حواء" من شجرة المعرفة، وأغوت آدم ليفعل مثلها، فغدت "شيطانة" متعاونة مع "إبليس" الذى رفض أن ينفذ أمر ربه حاكم السماوات والأرض. صارت العاصية، المتمردة مثله موطن الدنس والإثم.

التقسيم فى المجتمع ولد معه إذن فلسفة التقسيم بين الجسد والعقل والروح. انقسم الانسان فضعفت قدراته بما فيها قدراته الإبداعية. فقد الثقة فى أنه وحدة حية متكاملة. أصبح عبدا، كائنا أدنى، خاضعا للقوى العليا الحاكمة، للروح العليا المهيمنة. أصبح الرجل عقل بلا عواطف، وأصبحت المرأة جسدا، فاقدة العقل. عقلها هو رجلها. هكذا انبنت الفلسفة الطبقية الأبوية على تقسيم البشر إلى عبيد وأسياد، وعلى تقسيم الإنسان. كما انبنت على تقسيم المعرفة عن طريق الفصل بين الفكر والعمل، وبين العقل، والجسد (أو العواطف).

الفلسفة التى تقسم المعرفة مناقضة للإبداع فى الرجل والمرأة على حد السواء. فلحظة الإبداع الحقيقية هى لحظة التحام كامل بين العقل، والجسد، بين الفكر والعواطف، إنها أعلى مراتب الوعى. وفلسفة التقسيم مناوئة لإبداع المرأة على نحو خاص لأنها تحاصرها فى خانة الجسد، والعواطف دون العقل. وقد انعكس هذا التصور فى أغلب الإبداعات الأدبية للرجال، أيا كانت اتجاهاتهم الفكرية.

الفلسفة المبنية على التقسيم بين الجسد، والعقل، بين المادة والروح، وبين الفكر والعمل تؤدى الى تجزئة المعرفة أيضا. تؤدى إلى الفصل بين الفن، والعلم، أى بين العلوم الطبيعية، والإنسانيات. وحيث أن المرأة وضعت فىخانةالجسد (العواطف)، فكان من الطبيعى أن تبعد عن كل ما يتعلق بالعقل، عن الوظائف التى تحتاج إلى العقل. عن القضاء، عن الحكم، وعن المسئوليات العليا التى تحتاج إلى بصيرة وحكمة، وفكر، كما أبعدت عن الفلسفة والعلم. فى الفنون ظلت محبوسة فى الرقص المرتبط بالشهوة والجسد إلى أن نفذت بالتدريج إلى الغناء، ثم التمثيل، ثم الكتابة الأدبية. وفى الكتابة الأدبية ظلت مضطهدة لفترة طويلة من النقاد الرجال الذين وصفوا كتابتها بأنها "ذاتية"، انها تعبير عن "عواطف" وليست موضوعية تعكس الواقع والمجتمع، غير مدركين أن "الذاتية" و"السيرة الذاتية" مجال خصب لم نطرقه طرقا حقيقيا بعد، وأن "عالم المرأة" وتجربتها تستحق أن تجد مكانها اللائق فى كل إبداع فنى، وعلمى ومعرفى لأن المرأة تشكل نصف مجتمعنا.

ظل هذا الوضع قائما إلى أن بدأت المرأة تفرض نفسها على نحو متزايد فى مجال الابداع الأدبى، كما فرضت نفسها من قبل فى عدد من المجالات الأخرى.

 

"تختين" الخيال

إن "تختين" أو بتر الخيال لا يقل ضررا عن عملية "الختان" التى مازالت تخضع لها الأغلبية الساحقة من الإناث الأطفال فى بلادنا. لكن نادرا ما يتحدث الكتاب، أو المفكرون، أو الناس عموما عن أثر "تختين الخيال" على النشاط الإبداعى للإنسان، ربما لأن الخيال عندما يبترلا يعانى الجسم من النزيف، أو من الألم. مع ذلك فإن الجسم الإنسانى المبتور الخيال لاتقلدرجة "الإعاقة" فيه عن الجسم الذى بترت أطرافه.

الخيال يعد بمثابة البعد الرابع الذى يجب أن يضاف إلى الزمان، والمكان، والسرعة لكى تكتمل النظرة العلمية وأساليبها. والخيال الصحيح، الحر ضرورة لكى يستطيع الإنسان أن يقاوم القهر الذى تفرضه علينا أجهزة الدولة، أو السطوة الأبوية فى الأسرة، أو طغيان التيارات الأصولية الدينية، والثقافة السلفية التى تثقل حياة الطفلة الأنثى بأضعاف ما تثقل حياة الذكر. الخيال المكتمل الأركان، المتمتع بحرية الإنطلاق شرط للإبداع، فالإبداع هو القدرة المستمرة على تجاوز ما هو قائم.

الأطفال يولدون بخيال لا يستكين قادر على تحطيم الحدود التى تحاصر الواقع ، أى حدود المكان ، والزمان ، أو حدود تصنعها الأنظمة السياسية الاجتماعية أو العرف والقيم التى تسعى إلى الحفاظ على ما هو سائد بصرف النظر عن فساده لصالح أقلية متحكمة فى أمور الدنيا،والدين .

عندما كان سن أختى سبع سنين شكت من المعاملة المتميزة التى القاها فى البيت، من أننى معفى من المساعدة فى الواجبات المنزلية ، بينما تذهب إلى المدرسة وتستذكر دروسها مثلى. فلما سألت أبى عن السبب قال لها "لأنك بنت " .. وردد عليها كلمات تفضل الذكر على الأنثى قال إنها من عند الله ، وتستلزم منها الخضوع . لم تقتنع لأن خيالها كان يعبر عن نفسه بشكل تلقائى و طبيعى فشعرت بالظلم المفروض عليها .

إن التربية التى خضعت لها أختى فى البيت ثم فى المدرسة، والتى ظلت تعامل فى ظلها ككائن أدنى ، وتخضع للضغوط المستمرة التى تحد من حركة عقلها وجسمها ، أدت بالتدريج إلى تقلص الخيال الذى ولدت به. فلما كبرنا وأصبحنا نتداول فى الأمور أخذت تبثنى الرغبات والأحلام التى كانت تعتمل فى نفسها والتى كان من الممكن أن تقودها إلى سلوك طريق آخر فى الحياة مرتبط بالإبداع الفنى . فأحلام الطفل لا تموت ، وإنما توئد فى الأعماق . كانت تنساها أغلب الأوقات هرباً من الحزن ، ثم تتذكرها بين الحين والحين.

الأسرة الأبوية مازالت سائدة فى كل المجتمعات وهى ليست قائمة على أسس من العدالة فى واجبات وحقوق أفرادها . الإناث فى الأسرة ، سواء الأم أو البنات مهمشات إلى درجات تتفاوت. إنها الوحدة الأساسية التى يقوم عليها بنيان المجتمع ، ولا سبيل إلى الاستغناء عنها . لكن فى الأسرة يتم إفساد الإبداع والخيال الطبيعى بحكم الطابع الأبوى اللاديمقراطى للعلاقات السائدة فيها وبسبب غياب العدالة هكذا وبالتدريج تتآكل حساسية الطفل ، وعلى الأخص الأنثى ، للظلم والزيف، تتوقف عن مقاومتهما. تستكين ، وتضمحل أحلامها .


 

حول الأصولية ، والليبرالية ، وما بعد الحداثة .

فى العقود الأخيرة شاهدنا تطورات هامة عالمية ، ومحلية كان لها أثر عميق على المجتمع عموماً . السمة الأساسية لهذه التطورات تتجسد فى التسلط الذى تمارسه النيولبيرالية الرأسمالية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية عالمياً ومحلياً، والتى اقترنت فى الوقت نفسه بنمو وانتشار التيارات السلفية الدينية ، والقومية . وقد أدت هذه التطورات وعلى الأخص فى الجنوب إلى ردة فى مختلف مجالات المجتمع والحياة بما فيها الثقافة ، والفكر ، والإبداع . ولأن المرأة ( والأطفال ) هى الأضعف فى المجتمع كانت ضحية لهذه الردة أكثر من الرجل . فشاهدنا ظاهرة تأنيث الفقر فى المجال الاقتصادى ، و فى الوقت نفسه انتشرت الشعارات التى تنادى بعودتها إلى البيت ، وانسحابها من الحياة العامة ، متعللة أحياناً بانتشار البطالة ، وأحياناً بأن خروجها إلى العمل هو سبب فساد الأولاد، وانهيار الأسرة . كما زادت نسبة البنات المتسربات من التعليم . وارتفعت الأصوات المعادية لحقوق المرأة والتى تنادى بقصر دورها على الأمومة ورعاية الأطفال، والأسرة، مستندة فى ذلك إلى تراث سلفى قديم فيما يتعلق بوضع المرأة.

إن نمو ، وانتشار التيارات السلفية الدينية والقومية ينعكسان على فكر المرأة ، وإبداعها فى جميع المجالات بدءاً من تفاصيل الحياة اليومية فى الأسرة، وفى العمل، و انتهاءاً بالعلوم ، والفنون ، والآداب ، ومختلف الأنشطة المتعلقةبالمجتمع . إنها تضع أمامهما العقبات ، والتعقيدات ، وتؤثر على اتجاهاتهما. كذلك فإن سعى النيولبيرالية إلى السيطرة الكاملة على العالم ، واستيعاب بلادنا ضمن هذه السيطرة لها آثار هامة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. وتتجسد بعض هذه الآثار فى عملية الإفقار التى تعرضت لها بلادنا ، ومحاولة إخضاع اقتصادها ليصبح تابعا وخادما لها ، وفرض النمط الاستهلاكى فى الحياة على قطاعات الوسطى والعليا من المجتمع بينما تهمش الأغلبية الساحقة ، وتكاد لا تجد قوت يومها، وتكريس الأحادية الثقافية التى لا تترك مجالاً لبقاء الثقافات المحلية والقومية وازدهارها، وتنظيماتها.

إن سعى النيوليبرالية الأمريكية إلى السيطرة الكاملة على السوق العالمى ، واستيعاب بلادنا فى هذا السوق عن طريق تطبيق سياسات البنك الدولى ، والخصخصة على حساب مصالح وحياة الأغلبية الساحقة من الرجال والنساء فى بلادنا هو العنصر الأساسى فى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة التى واجهناها فى العقدين السابقين، تلك الأزمات التى لها أثار متعددة ومنها ازدهار الحركات الدينية السلفية كرد فعل لما تعانية الجماهير المحرومة والثائرة على أوضاعها. وقد أتيح لبعض القوى المحلية والعالمية استغلال هذه الردة السلفية وتشجيعها لخدمة أغراضها، وسعت القوى الرأسمالية العالمية ، والأمريكية بالذات الى تدعيمها والتحالف معها لمقاومة خصومها، والضغط على كل من يبدى أقل مقاومة لها. أن حركة طالبان وظاهرة بن لادن وفرق "المجاهدين" شواهد على ما صنعته الولايات المتحدة من أرهاب فى العالم ، ذلك الإرهاب الذى تتحجج به الآن لفرض إرهابها هى، وشن حروبا عدوانية فى فلسطين والعراق وغيرها.

فى ظل الإرهاب والعدوان والحرب وتقلص الحريات لابد أن يذوى الإبداع عند الرجال والنساء على حد سواء لكن تأثيرها على المرأة أكثرعمقا. فى ظل "الحرب على الإرهاب" ، والعدوان المتزايد على الحريات ، وإشاعة جو من الخوف يصبح التعبير عن الرأى محفوفا بالمخاطر ولابد أن يشق الإبداع طريقه بصعوبة فى ظروف تفرض فيها الإمبريالية الأمريكية الجديدة وحلفائها الخضوع ، والاستكانة على الشعوب العربية ، رجالا و نساء . الإبداع يحتاج إلى السلام ، إلى التخلص من الخوف، والعيش فى اطمئنان لكى يصفو الذهن ويسعى للبناء، حتى إن كانت قوة الإبداع تستطيع أن تخترق كل العقبات، أن تعبر عن نفسها فى أحلك الظروف ، وأصعب الأزمان. فالإبداع قبل كل شىء آخر هو القدرة على المقاومة ، على مواجهة الواقع ، وتغييره.

ظاهرة انتشار التيارات السلفية التى شهدناها فى العقود الأخيرة كتب عنها عدد كبير من المثقفين وأخضعوها للدراسة والتحاليل . لكن ثقافة النيوليبرالية الرأسمالية ، وثقافة ما بعد الحداثة التى أخذت تخط طريقها إلى القطاع الحديث فى المجتمع العربى ، و إلى عقول أجيال من الشباب والشابات لم تحظ حتى الآن إلا بقدر ضئيل من الاهتمام، بل صار البعض منهم ينقلونها ، ويتبنوها دون أن يتصدوا إلا نادرا لدراستها دراسة نقدية تساعدنا على إدراك العلاقة التى تربط بينها وبين التطورات الاقتصادية و الاجتماعية فى العالم المعاصر ، وما الذى تعنيه بالنسبة إلى الواقع الذى نعيشه ، وتأثيرها سلبا ، أو إيجاباً على نظرتنا إلى الحياة ، على الفلسفة ، والفكر ، على العلوم والفنون . وعلى إبداعنا الأدبى. لازلنا حتى الآن لا ندرك ما الذى فعلته أو يمكن أن تفعله فى منهج تفكير المبدعين والمبدعات من الشباب.

فى ظل الإقطاع كانت حركة المرأة فى الحياة محدودة لكن منذ ثلاثة قرون أو أكثر قامت الثورة الصناعية ، واتسعت حتى شملت أجزاء مهمة من العالم . خطت خطوات واسعة فى بلاد الشمال ، وخطوات تقل أو تكاد تنعدم أحيانا فى بلاد الجنوب لأسباب مختلفة منها أساسا خضوعها للغزو والاستعمار خلال سنين طويلة.

اقترنت الثورة الصناعية بالحداثة ، أى بعملية يطلق عليها التحديث ، وبتغيرات عميقة فى أوضاع النساء . خرجت المرأة من البيت إلى العمل مقابل أجر ، بأعداد متزايدة . تنوعت خبراتها ، واتسعت آفاقها ، وشملها التعليم . اكتسبت حريات فكرية وجسدية جديدة ووعياً جديداً بنفسها ، وبجسمها فحدث فى عدد من البلدان ما يسمى "بالثورة الجنسية" ثم انتقل بدرجات متفاوتة إلى غيرها من البلاد . ومع اكتشاف وسائل منع الحمل تحرر الجنس، بمعنى أنه لم يعد مرتبطا بالإنجاب وإنما يمكن أن يمارس لذاته ، أى من أجل المتعة دون أن تخشى المرأة أو الرجل من الإنجاب إن لم تكن تريده.

هكذا شهدت حياة المرأة فى بعض القطاعات تطورات اقتصادية ، واجتماعية ، وجنسية هامة زاد من إحساسها بكيانها ومن إدراكها لتفردها . فدفعها كل ذلك إلى المزيد من التعبير عن نفسها ، أى إلى مزيد من الإبداع. والمرأة لم تكف طوال التاريخ عن التعبير عن نفسها ، أو الاحتجاج على أوضاعها . بوسائل مختلفة ومنها القول والكتابة لكن مع خروجها إلى العمل وحرية التنقل ، مع الثورة الجنسية وعمليات التحديث ومع تطور الحركات الوطنية زادت الكتابات النسائية بالتدريج ، وازدهرت لتصبح ظاهرة من ظواهر العصر الحديث. ارتبط التقدم الذى أحرزته بالعمل ، بالصراعات الاجتماعية والوطنية فزاد ضيقها بالقيود المفروضة عليها وزادت رغبتها فى التعبير عن نفسها ، وفى نيل المزيد من الحرية . أخذت تكتب عن كل ذلك كاشفة عن الصلة بين أوضاعها ، وأوضاع المجتمع . كانت ذاتها موجودة، وكان جسدها موجوداً يعلن عن قيمة فى الحياة ضد محاولات الرجل الساعية إلى الارتواء منه والإنجاب منه ، وإخضاعه مع الإبقاء على نظرته اليه كموطن للدنس ، والإثم ، ومأوى للشيطان . يعلن عن قيمة اللذة كقوة مفجرة ، منبتة للحياة . كان هذا التمرد إيجابياً فى محاولاته لكسر جدران الصمت والمحرمات وكانت هذه الكتابات تربط بينه وبين حركة المجتمع ، وسعيه نحو التقدم، والحرية والصدق فى الحياة.

الآن انتقل عالمنا إلى عصر الشركات المتعددة الجنسيات