spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

تجربتى فى وجه بحرى

عندما عدت من المنفى فى سبتمبر سنة 1952 سقطت فى بوتقة الصراع الذى بدأ يحتد بين القائمين على حركة الضباط الأحرار وبين تلك المجموعة الصغيرة نسبياً التى كانت تشكلها التنظيمات اليسارية ، ومنها "الحركة الديمقراطية للتحرر الوطنى" التى ظللت عضواً فيها منذ سنة 1946 إلى أن حلت نفسها سنة 1964.

منذ البداية جنحت السلطة الجديدة إلى التخلص السريع من "حدتو",. استفاد الضباط الأحرار من فكرها ، ومن خبراتها التنظيمية ، ومن جهودها ، قبل ان يصلوا إلى الحكم ، ثم لفظوها كأنها سبة ، أو إثم. أغلقوا أمامها فرص النشاط التى كانت أمامها بحكم علاقتها بهم ، وبعد ذلك جاءت المحاكمات ، والاعتقال ، والسجن.

سقطت أنا من حيث لا أدرى فى جو اختلط فيه الأمل بالقلق والغيوم. لم أحضر الأسابيع الأولى للوئام بين "حدتو" وحركة الجيش. عشت محاكمة خميس والبقرى وإعدامهما فى "كفر الدوار" ، وانعطاف "حدتو" التدريجى نحو التعارض مع ثورة يوليو واتهامها بالوقوع فى براثن الاستعمار. نشأ هذا التعارض لأسباب ادركناها فيما بعد. نفوذ اليمين الرجعى كان هو الغالب فى البلاد ، ورغم الميل الطبيعى للناس إلى الحرية والمساواة كان العداء للشيوعية ، ولليسار سمة من سمات الحياة السياسية فى مصر منذ أيام سعد زغلول. تأصل فى جهاز الدولة ، ودعمته القوى الدينية التى كانت تتهم اليسار بالمروق عن الإسلام. كان لهذا العداء تأثير قوى داخل الجيش ، وفى صفوف حركة الضباط الأحرار ، خصوصا فى وقت كانت تسعى فيه حثيثاً لتأكيد سلطتها وسط التيارات المتصارعة وضد قوى اليمين المسيطرة على الأحزاب ، والهيئات السياسية الأخرى فى البلاد ، والمسيطرة على الدولة ، والبرلمان ، والصحافة ، وأجهزة الثقافة والتعليم ، على الأزهر ، والمنظمات الدينية ، والإخوان ، وإلى شق طريقها فى نظام تسنده قوى الاستعمار القديم ، وتقف عند أبوابه قوى الاستعمار الجديد.

فى بداية الثورة لم تتخذ أمريكا موقفاً واضحاً مما جرى يوم 23 يوليو سنة 1952. آثرت الانتظار وفى الوقت نفسه سعت قيادة الثورة إلى تحييدها. فقد كان من شأن أى جنوح نحو اليسار ان يعجل بقلب الميزان ، ويدفع الولايات المتحدة إلى أن تتخذ موقفاً عدائياً ضد الضباط الأحرار الذين أرادوا أن يركزوا جهودهم للسيطرة على الوضع ، حتى تتاح لهم الفرصة لالتقاط أنفاسهم واستشراف الطريق الذى سيسيرون عليه فى مستقبل الأيام.

يضاف إلى ذلك موقف اليسار ففيما عدا "حدتو" كان العداء لحركة الجيش واضحاً منذ البداية ، تجسد فى وصف الضباط الذين قاموا بالاستيلاء على الحكم ، أو على الأقل قياداتهم بأنها عميلة للاستعمار الأمريكى ، بأنها فاشية ، معادية للحريات ، وللشعب. وكان هذا الموقف بمثابة سكب الزيت على النار ، وفرصة ذهبية لمن يريد إذكاء شعلة العراك بين الضباط الأحرار واليسار ، واعتبار "الشيوعيين" جميعاً أعداء للثورة يجب القضاء عليهم فى أقرب وقت. كل هذا فى فترة حرجة ، متلاطمة الأمواج لا يعلم فيها أحد إلى أين يمكن ان تتجه الأحداث.

وبالفعل بعد هذه الفترة بما يزيد عن السنة قليلاً ، فى مارس 1954 قامت الهبة المضادة لثورة يوليو تحت شعارات الدفاع عن الحريات ، والديمقراطية ، وعودة الأحزاب ، وانسحاب الجيش إلى ثكناته. وهى هبة شاركت فيها جبهة شملت جزءاً من حركة الضباط الأحرار ، وحزب الوفد ، والإخوان المسلمين واليسار بكل تياراته ، وبرزت فيها "حدتو" كقوة محركة.

فى الأيام الأولى تمسكت "حدتو" بقدر من التمايز والاستقلال عن التنظيمات اليسارية الأخرى ، وعن اليسار فى العالم. ففى هذا الوقت أتخذ الاتحاد السوفيتى ، ومن ورائه البلدان "الاشتراكية" الأخرى موقفاً معارضاً ، أو على الأقل متحفظاً إزاء نظام 23 يوليو 1952 ، وكان التضامن الأمى ، إذ ذاك يفرض موقفاً موحداً على كافة البلدان ، والأحزاب ، والفرق التى يقودها اليسار ، كان يفرض اعتبار ما حدث انقلاباً رجعياً لصالح الاستعمار الأمريكى ، وليس حركة وطنية فى الجيش ، وامتداد للحركة الوطنية العامة فى البلاد ، فأصبحت "حدتو" مدانة بالانتهازية ، خائنة ، باعت نفسها للاستعمار مع حركة الجيش إلى أخر هذا القاموس الذى ساد لفترة طويلة فى الحركة اليسارية. أصبحت حركة يجب ان تقاطع ، أو على الأقل ان تعامل بحرص شديد خوفاً من العملاء ، والجواسيس الذين انبثوا فيها ، ربما منذ زمن بعيد. شارك فى هذا الموقف جزء كبير من اليسار المصرى ، وكل اليسار العربى ، والعالمى ماعدا اليسار الإيطالى الذى بادر بتغيير رأيه بعد مدة قصيرة.

هكذا عندما كنت هارباً فى باريس قبل العودة التقيت بمسئولين فى "مكتب المستعمرات" للحزب الشيوعى الفرنسى فكان موقفهم رفض التعامل مع "حدتو" ، بينما كانوا يتعاملون بثقة مع الحزب الشيوعى المصرى.

كما قلت جنحت سلطة الضباط الأحرار منذ وقت مبكر إلى القضاء على "حدتو" رغم أنها كانت من القوى التى يمكن اعتبارها ضمن الحلفاء. كان هذا الموقف نابعاً من عدائهم الأصيل لليسار ، فغداة استيلائهم على الحكم صدر عفو عام عن المسجونين السياسيين بما فيهم الإخوان المسلمين ، ولكن استثنى منه المسجونين الشيوعيين. لذلك لم أعف أنا أيضاً من الحكم الذى صدر علي قبل الثورة من محكمة أمن الدولة العليا بخمسة سنين أشغال شاقة بعد أن أعلنت موقفى ضد الاستعمار البريطانى ، والسراى ، والإقطاع أثناء التحقيق الذى جرى معى وأمام المحكمة. وعندما سئل زكريا محى الدين عن سبب استثناء الشيوعيين من العفو كان رده " لأن الشيوعية جريمة اجتماعية ، وليست سياسية " ، أى أننى وزملائى مثل القتلة ، واللصوص ، والمتاجرين بالمخدرات.

هكذا بعد أن كانت "حدتو" هى التيار السياسى الوحيد الذى أيد ثورة 23 يوليو 1952 انقلبت ضدها ، وأخذت تعارضها بكل الوسائل التى تملكها. لكن ظلت هذه الوسائل، كما كانت دائماً سلمية تعبر عن الرأى ، وتحشد الناس وراءها ، وان شابتها ألفاظ مثل عملاء ، وخونة ، وكلمات أخرى من هذا الصنف.

فى هذا الوقت كانت حركة الضباط الأحرار ظاهرة جديدة فى المعترك السياسى لم نألفها. ضباط يثورون ضد الاستعمار ، والقصر ، بينما هم من صميم الجهاز المستخدم للقهر ‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌‌‍‍‍‍‍‍‍‍؟ .. كيف؟ لا يمكن .. هكذا كان المنطق الذى حكم آرائنا ، فالنظرية إذاً لم تنبع من الواقع ، والتاريخ تصبح معول ضلال وهدم. نسينا تاريخ الجيش فى مصر ، نسينا محمد على وعرابى وما جرى من قبل ، نسينا حتى تجربتنا المباشرة فى "قسم الجيش" التابع لحركتنا. كان التأييد والمشاركة التى بذلتها "حدتو" لحركة الجيش وليدة شواهد الحياة، ومعاركها. لكن لما تعرج مسار الثورة فى منعطفات ضد الشعب ، لم نفهم لماذا حدث هذا. لم نفهم طبيعة القائمين عليها. إنهم ضباط من الطبقة الوسطى تتناقض دوافعهم ، ولما انهالت علينا الضربات انكمشنا ، وانعزلنا ، وفقدنا الثقة فى أنفسنا فعدنا إلى أفكارنا القديمة ، إلى النظريات المسبقة ، إلى كتب لينين ، وماركس. ساد الانفعال المباشر مكان النظرة البعيدة للمسار الذى اختارته الحياة لمصر.

فى الوقت نفسه ، عندما أعلنت تأييدها لحركة الجيش لم تدرك "حدتو" حدود التغيير الذى حدث فى بلادنا ، ولا طبيعة الصراعات كما هى بالفعل. لم تفهم المعارك الدائرة حول السلطة ، كيف أنها تفسر مواقف ، وتصرفات القوى السياسية المختلفة بما فيها حركة الجيش ، وما يمكن ان يتمخض عنها. لم تتنبه إلى التداخل القائم بين وطنية الضباط والمصالح التى تدفعهم بوصفهم فئة اجتماعية وسطى تربت فى الجيش ، وأثر كل ذلك على مواقفهم ، وعلى المسار الذى يخططون له ، ويدبرون أموره. ولم نتنبه إلى طبيعة الوضع السياسى المحلى والدولى ، المحيط بالحكم الذى قام فى مصر فى ذلك الوقت.


 

* * * * * * * *


 

حرصت على كتابة هذه المقدمة قبل ان أدخل فيما طلب منى كتابته ، لأنه يصعب فهم تجربتى فى وجه بحرى كمسئول سياسى عن التنظيم الذى أقامته "حدتو" بين سكان الريف دون التعرض للظروف السياسية والأفكار التى أحاطتنا.

فلما عدت من المنفى كانت "حدتو" سائرة بالتدريج نحو موقف المعارضة لحركة الجيش ، وكان من الطبيعى ان يتشكل العمل الذى قمت به فى وجه بحرى عندما نقلت إليه وفقاً لهذا الخط الملزم لأعضاء الحزب ، خصوصاً وأننى لم أكن عاصرت الفترة من سنة 1948 حتى عشية ثورة يوليو ، وهى فترة قضيتها فى المنفى أو السجن ، فكان من الصعب ان يكون لى رأى مستقل.

مر بعض الوقت ربما شهرين أو ثلاثة قبل أن تقرر القيادة إرسالى إلى وجه بحرى لأعمل مسئولاً سياسياً عن النشاط فى أقاليم الدلتا. لم يكن "لحدتو" فى هذا الوقت نشاط فى جميع المحافظات. كانت لها جزر فى الدقهلية ، والغربية والمنوفية ، والشرقية ، والقليوبية ، والبحيرة ، هذا هو ما أذكره. العناصر التى كنت اتصل بهم كانوا من المدرسين ، أو الحرفيين فى المراكز لكن فى القرى كنت ألتقى أيضاً مع عمال زراعيين وفلاحين فقراء او متوسطى الحال ، لكن لجنة منطقة بحرى التى كانت تقود النشاط لم يكن فيها عناصر من الريف. كان عدد أعضائها أربعة .. أنا ، وجمال غالى ، وبدير النحاس ، وسيف صادق .. أنا طبيب ، وجمال غالى خريج كلية العلوم من القاهرة ، وبدير النحاس موظف من الدقهلية ، وسيف صادق نوبى ، وكنا جميعاً متفرغين لنشاطنا السياسى السرى.

لما تحقق لنا شئ من الاستقرار فى وجه بحرى ، أعدنا إصدار مجلة "صوت الفلاحين". كنا نطبعها فى البداية بطريقة بدائية على " الرولو" ، ثم بعد ذلك طبعناها على "رونيو" فأصبحت تخرج فى شكل أكثر اتساقاً وجودة من ناحية الطباعة ووصل العدد الذى كنا نطبعه قبل ان أترك وجه بحرى لأعود إلى القاهرة فى بداية النصف الثانى من سنة 1953 بعد القبض على أحمد الرفاعى وزكى مراد ، وعدد آخر من العناصر القيادية ، وصل إلى ألف نسخة ، بينما فى البداية لم نكن نطبع أكثر من 500 نسخة. وكانت المجلة مصدر ازعاج للسلطات لأنها كانت معارضة لحكم الضباط الأحرار على طول الخط مركزة على النتائج السلبية لقانون الإصلاح الزراعى الأول ، وعلى مهاجمه سياسة المفاوضات التى انخرطت فيها الحكومة بخطى حثيثة ابتداءاً من سنة 1953 دون ان تعلن ذلك رسمياً. لذلك عندما قبض علي فى نوفمبر سنة 1953 وأودعت فى السجن الحربى استخدمت المخابرات مختلف وسائل الضغط علي فى محاولة لمعرفة مكان ما كنا نسميه "بالجهاز الفنى" (أجهزة الطباعة) ولجأت فى ذلك إلى وضعى فى السجن الانفرادى المطلق لمدة أربعة أشهر ونصف ، إلى التخويف من احتمالات المحاكمة أمام محكمة الثورة ، إلى اعترافات بعض زملائى علّي لاقناعى بأنها تعلم كل شئ عنى بما فيها أدق التفاصيل الشخصية ، وإلى عقد لقاء مع أحد المعترفين حاول فيها ان يوهمنى بأن المرأة التى كنت أحبها إذ ذاك هى التى اعترفت علّي ، ثم سافرت بعد ذلك إلى الخارج ، وبعد ذلك كله إلى ضربى فى الزنزانة التى كنت محتجزاً فيها.


 

* * * * * * *


 

عندما صدر قانون الإصلاح الزراعى فى 9 سبتمبر سنة 1952 قادنا موقف المعارضة الذى تبنيناه فيما بعد إلى عدم إدراك الجوانب الإيجابية التى يشملها. لم نر فيه أنه ضربة للإقطاع ، لملاك الأرض الكبار بنفوذهم الاقتصادى السياسى ، يفتح الباب لتطورات أخرى ، ويساعد على توسيع السوق عن طريق رفع مستوى معيشة بعض قطاعات الفلاحين. إنه يكسر الأطر الجامدة التى تحول دون قدر من حرية الحركة لرأس المال واستثماراته فهو يحرر رؤوس الأموال المحبوسة فى الأرض ، فى الريع ، والإيجار لتتجه إلى الصناعة ، أو إلى وسائل أكثر حدة وفعالية فى زراعة الأرض. انه يقر مبدأ توزيع الأرض على صغار وفقراء الفلاحين لأول مرة فى تاريخ مصر ، ويسمح لهم بإقامة تعاونيات لخدمة إنتاجهم ، ويبيح للعمال الزراعيين تنظيم صفوفهم. وأن المشكلة لم تكن فى القانون قدر ما كانت فى ضعف أو غياب التنظيمات التى يمكن ان تنفذه ، وتعقمه ، وتدفعه نحو مزيد من الخطوات لصالح فلاحى الأرض.

فى هذا القانون تحددت الملكية الزراعية للفرد بمائتى فدان كحد أقصى ، وخمسين فداناً لكل ابن أو بنت من القصر. فأصيب كبار الملاك بصدمة عنيفة. أيأخذون منهم الأرض هؤلاء الضباط الصعاليك الذين لا عائلة ، ولا أصل ينتمون إليه. أنهم مجانين. سنسحقهم ، سنقتلهم ، ولكن كيف ؟ معهم سلاح ، ودبابات ، ولا نستطيع ان نواجههم بالقوة ، فالقوة هذه المرة يمكن ان ندفع نحن ثمنها. مع ذلك لن نترك لهم ملكيتنا ليستولوا عليها ، ويوزعوها على حثالة القوم ، على فلاحين جهلة ، على عبيدنا فى الأرض. الملكية سنة الله ورسوله ، وحكمته فى الملك ، شرع لا يمس فقد أعطانا الله الأرض ولا أحد يستطيع ان يأخذها. لن نستطيع ان نواجههم بالقوة لكن الدهاء صنعتنا. مارسناه كثيراً من قبل. سنحافظ على ما أعطاه لنا الرب ، سنهربها منهم ، سنبيعها بيعاً صورياً لأقاربنا ، وأعواننا الذين نضمنهم ، ونأخذ منهم كمبيالات نهددهم بها إذا لزم الأمر. لكنهم لن يجرؤا ، فقبضتنا على الريف مازالت قوية. البوليس والعمد والمشايخ تبعنا. وقبل ان نبيعها بيعاً صورياً سنخليها من أجرائها. سننذر من يزرعها من الفلاحين بإخلائها حتى نستطيع التصرف فيها بطريقة تريحنا.

بين يوم وليلة أصبح قانون الإصلاح الزراعى هو الشغل الشاغل لسكان الريف. وشملت الآلاف منهم موجات الصراع وصلت إلى مئات القرى. فقد أرسل الملاك الآلاف من الإنذارات إلى الفلاحين يطالبونهم فيها بإخلاء الأرض ، فانبرى الذين أنذروا يدافعون عن المصدر الذى يعيشون منه ، وانبرى الفلاحون من حولهم يساندونهم فى معركة كانت تمثل بالنسبة إليهم مسألة حياة أو موت. لجاءوا إلى الشكاوى ، والاحتجاجات. إلى التجمهر ، والتظاهر ، والصياح بأعلى صوت. إلى معارك استخدموا فيها النبابيت ، وفى بعض الأحيان عندما كانت تصل إلى أوجها لجاءوا إلى السلاح.

رفضوا إخلاء الأرض ، لكن جهاز الدولة لم يكن معهم. كان مع الإقطاع ، ومع الرأسمالية الكبيرة المالكة للأرض. تربى على أيديها ، على أن يأكل من دم الشعب ، من عرقه اليومى فى الحقل. أما الضباط الأحرار فكانوا لا يزالون قشرة فوق السطح، مجموعة معلقة فوق قمة السلطة تمتطى جهازاً ليس معها ، أو على الأقل يريد أن يرى أين ستتجه تطورات الغد. ركبوا الحصان الجامح لكن لم يستأنسوه بعد.

هكذا بدأت المعركة التى سميت "معركة الإنذارات" وكنا نحن هناك لنوجهها ، وننفخ فى نيرانها. أصبحت "صوت الفلاحين" المعبرة عنها. أصبحت هذه المعركة محور اهتمامنا فى لجنة بحرى ، بل إلى حد ما فى الحزب لأنها كانت معركة هامة وملموسة يمكن تتبعها ، والانغماس فى أتونها. الملاك يريدون طرد الفلاحين من الأرض ، وشعارنا نحن هو " الأرض لمن يفلحها " فهذا هو العدل. أصبحنا زملائى وأنا نسمع أسماء لم نسمعها من قبل. بهوت ، ونبروه ، وكفر نجم ، وكفر سعد ، والحداد ، ومركز زفتى ، وميت غمر. كانت قبل ذلك نقاط على الخريطة ، لا ترى على الخريطة قط ، أو ترى بالكاد إذا استخدمنا خيالنا ، ثم أصبحت ترى رؤى العين بتفاصيلها عندما نزورها ، وندوس فى أوحالها ، مع الجاموس ، والحمير ، والأطفال ، والبط.

أثبتت الإنذارات ان القانون الذى لا تحميه قوة ديمقراطية يمكن ان ينقلب فى بعض نواحيه إلى سيف مسلط على الشعب ، إلى عكس ما كان يراد به. فقانون الإصلاح الزراعى أفاد فى بعض نواحيه ، وأعطى للفلاحين مساحات من الأرض. لكن فى المقابل فقد الكثيرون ما كانوا يزرعونه حتى هذا الوقت.

وجدت نفسى غارقاً فى عالم أكاد لا أعرف عنه شيئاً. أحك قشرته لاكتشف ما يوجد أسفله. أركب اللورايات ، والقطارات ، والتاكسيات بالنفر ، وأجوب مساحات الأرض تمتد أمام عينى. استنشق رائحة الحلبة ، والحطب ، والعرق فى الجلاليب. أجلس فى الحقل ، أو الجرن ، أو الحوش وحوالى رجال حفر التعب فى وجوههم. رجال شواربهم كثة ، وعيونهم صغيرة التهب من حولها الجفن. ارتاد عالمهم من الأطراف دون ان أنفذ الى العمق. يبهرنى أحياناً ، وفى أوقات يقلقنى ، فلست منهم. أجهل الكثير عنهم. المحهم ينظرون إلي فى ود وأحياناً فى تساؤل يقترب من الشك. هذا الشاب الأبيض ذو العوينات يرتدى جلباباً وصديرياً من الصوف إذا ما اشتد البرد لم يمسك بالفأس ، ولم يرو الأرض فكيف يفهم شئوننا؟ لكنهم لا يظهرون إلا الود. فالفقراء لامعين لهم. نسيهم حتى الرب, ولا أحد يسأل عنهم. على الأقل جئت أنا إليهم أحمل أملاً فى الغد. تركت دارى وأهلى ، وسعيت إليهم فى أبعد قرية ، وكفر. أصل إليهم فى القطار ، أو فى سيارة ، ان وجدت. وان لم توجد فعلى ظهر الحمير ، أو سائراً فوق قدمى فى التراب والوحل.

تجربة مجيدة وغريبة. تجربة بائسة ومثيرة علمتنى فيما بعد أن أسعى إلى معرفة أناس لم أكن أعرفهم. ان أقدرهم. ان استريح إذا ما جلست إليهم. ان أدرك ما قدموه لى ولنا منذ زمن بعيد.

تجربة دخلت فى وجدانى ، فى كلمات صرت أكتبها. تجربة تعلمت منها. أسجلها لليسار الذى أنا جزء منه ، والذى سينهض من جديد ، ويتجاوز أخطاؤه.

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism