spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

الأهالى 23/3/2005

حديث الهجرة

د. شريف حتاتة

كانت الساعة قد قاربت على التاسعة مساءً عندما انتهت مداولات الاجتماع التحضيرى الخامس للمنتدى الاجتماعى فى البحر الأبيض المتوسط والذى انعقد فى مدينة مارسيليا لمدة ثلاثة أيام. جمعت أوراقى وتوجهت إلى المطعم التونسى الذى تعود المشاركون والمشاركات تناول عشائهم فيه قبل أن يعودوا إلى الفندق الذى كنا نبيت فيه.

لم أجد سوى مائدة صغيرة احتل أحد المشاركين أحد مقعديها تاركاً الآخر خالياً. مربع الجسم، كبير الرأس، ومفرطح الأنف تطل عيناه الصغيرتان فى الفراغ من تحت حاجبيه الكثتين.. بدا عليه الحزن فى وحدته كالموظف الذى خرج على المعاش وأصبحت الحياة بالنسبة إليه لا جديد، ولا شئ فيها يتطلع إليه. ترددت فى الإقدام خشية قضاء وقت العشاء فى حديث ممل، لكن معدتى الخاوية أخذت تحتج على الانتظار فأقدمت وجلست أمامه. ولأننى تخلصت من عادة الصمت الذى لا مبرر له فتحت معه الحديث. قدمت نفسى ثم سألته عن اسمه وعن البلد التى أتى منه. قال "اسمى إدوار باطمانيان وأنا فرنسى". قلت "لكن هذا الإسم يوحى بأنك أرمنى". فقال: "نعم أصلى من "أرمينيا". هاجر جدى منها إلى مصر حيث عمل حوذياً لمدة سنوات، ثم تركها إلى فرنسا واستقر فى "ليون" والتحق عاملا فى أحد مصانع النسيج. كان نشطاً، وطموحاً فأخذ يناضل فى النقابة حتى أصبح أحد القادة المحليين المهمين. أنجب خمسة أطفال عمل أحدهم فى المصنع الذى عمل هو فيه. وأنا ابن هذا العامل الذى ارتقى ليصبح عاملاً فنياً وجاهد حتى أرسلنى إلى الجامعة فى باريس حصلت فيها على دكتوراه فى الكيمياء وأصبحت أستاذاً أدرس لعدة سنين إلى أن انتقلت إلى أحد المختبرات الكيميائية فى مدينة مارسيليا الآن أصبحت على المعاش".

سألته: "ما الذى جعلك تشارك فى هذا المنتدى" ؟ قال "أبى كان مناضلاً مثل أبيه. أصبح قائداً نقابياً وانضم إلى الحزب الشيوعى وأنا كذلك كنت عضواً فى الحزب الشيوعى لكنى تركته وصرت أنشط فى الحركة التى تسعى إلى إقامة عولمة أخرى لصالح الشعوب، وليس لصالح كبار الرأسماليين. تطوعت فى الوقت نفسه للقيام بالترجمة الفورية لأننى أجيد الإنجليزية والإيطالية إلى جانب اللغة الفرنسية".

بعد أن تناولنا طعام العشاء انتقلنا إلى مقهى قريب لنواصل الحديث، وظللت أسأله وأستمع إليه حتى ساعة متأخرة من الليل. كانت معلوماته وخبراته فى الحياة واسعة جذبتنى إليه. وكان ذكياً فيه حيوية كبيرة، اختفى الحزن من وجهة وأخذ يحدثنى عن أشياء كثيرة سيما عن تجاربه كمهاجر فى فرنسا ؟؟ الذى عانت منه أسرته سنين طويلة. وكان حديثه عن سياسات الهجرة إلى أوربا، التى احتلت مكانة مهمة فى مداولات الحكومات المنضمة إلى الاتحاد الأوربى مهما تذكرت أثناءه، كيف أن غالبية الشباب فى بلادنا يحلمون بالهجرة إلى بلد أجنبى.

كان المشاركون والمشاركات الذين حضروا الاجتماع فى مارسيليا منتمون إلى عدة بلاد. جاءوا من أسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليونان، وتركيا، وسوريا، ومصر، وفلسطين، وتونس، وليبيا، والجزائر، والمغرب، ومشارك واحد من إسرائيل عضو فى مجلس إدارة جمعية تدافع عن الجنود الإسرائيليين الذين يرفضون توجيه بنادقهم ضد شعب فلسطين، ويطالبون بإنهاء الاحتلال وحقه فى تقرير المصير.

أولى هذا الاجتماع أهمية خاصة للدفاع عن حقوق المهاجرين، وعن حق التنقل الحر بين بلاد البحر الأبيض المتوسط ففى هذه الأيام أصبحت مسألة الهجرة من البلاد العربية، والإفريقية إلى أوربا مثارة على نطاق واسع فى الاتحاد الأوربى، وفى الدول المنضمة إليه. كما أن هناك سياسات جديدة تتعلق بها أصبحت قيد البحث فى المجلس الأوربى وفى حكومات الدول التى يتوافد عليها المهاجرون بأعداد كبيرة، وهى سياسات إن نفذت فسيكون لها آثار عميقة على مستقبل الملايين من الشباب العربى الذين تركوا بلادهم ليعيشوا فى أوربا، وعلى مستقبل الملايين الحالمين بالهجرة إليه.

* * *

يرى المجلس الأوربى أنه أصبح من الضرورى الوصول إلى سياسة أوربية موحدة للهجرة. وفى 11 يناير الماضى أصدر ما سمى "بالكتيب الأخضر" طرح فيه بعض التساؤلات على الحكومات المعنية وطلب منها، ومن مختلف الجمعيات، والهيئات، والمراكز البحثية المهتمة بهذه القضية أن تناقش سياسات الهجرة، وأن تقترح ما تراه مناسباً فى هذا الشأن فهناك مشاكل سكانية تزداد حدة فى البلدان الأوربية تبحث لها عن حلول، وتتطلب من وجهة نظر حكامها الاتفاق على سياسات الهجرة التى يجب تنفيذها. منها الانخفاض المستمر فى عدد السكان بسبب امتناع الأوربيين عن الإنجاب. انخفاض يقترن بارتفاع فى متوسط العمر، وزيادة نسبة المسنين الذين لا يعملون، ولا ينتجون بل يعتمدون على عمل غيرهم فى الإنتاج، والخدمات.

تشير الدراسات التى أجرتها مراكز البحث إلى أنه خلال الفترة من 2010 و2030 ستفقد بلاد الاتحاد الأوربى عشرين مليوناً من الأيدى العاملة نتيجة هذه الظواهر السكانية.

ولا يوجد سبيل لسد هذا العجز المتوقع سوى فتح أبواب الهجرة المشروعة. فى هذا السبيل يقترح بعض المسئولين تحديد "كوتا"، أى حجم عدد المهاجرين الذين يمكن قبولهم فى كل بلد. لكن الحكومات تجنح إلى الاحتفاظ باستقلالها فى تحديد السياسة التى تراها مناسبة، ولا تريد أن تتنازل عنه للاتحاد الأوربى الذى يجمع خمسا وعشرين دولة كثيراً ما تختلف مصالحها.

توجد مشكلة أخرى تتعلق بسياسات الهجرة غير مسألة العودة. فمع التقدم التكنولوجى السريع فى جميع المجالات تميل بعض الحكومات فى فتح أبواب الهجرة أساساً أمام الذين حصلوا على تكوين علمى، وخبرة علمية فى بعض المجالات الإنتاجية، والخدمية. وهذا هو ما قررته ألمانيا مثلا فى بداية سنة 2000 عندما فتحت باب الهجرة أساساً أمام القادرين على العمل فى مجال المعلومات (العقول الإلكترونية) فأعلنت أن العدد الذى ستقبله هو75.000 مهاجر ومثل هذه السياسة نتيجتها تفاقم ظاهرة استنزاف العقول التى حرمت، وستحرم البلاد العربية من عقولها المفكرة القادرة على المساهمة فى ملاحقة قطار التقدم، كذلك الأمر بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فهى تتبع سياسة انتقائية منذ سنين طويلة، تسمح بهجرة 800.000 شخص إليها سنوياً حسب نظام للأولويات. تعطى الأولوية للاعتبارات الأسرية ولأنواع معينة من المهارات. لذلك تخصص 114.600 فيزا لأطفال، وأزواج، وزوجات المهاجرين الذين حصلوا على إقامة دائمة فى الولايات المتحدة، و 65.000 لإخوة وأخوات المواطنين والمواطنات الأمريكيين. ثم بعد ذلك تقسم الشرائح كالآتى: 40.000 "لكوادر" الشركات المتعددة الجنسية والأشخاص "أصحاب المهارات غير العادية" و40.000 "للمهنيين ذوى التكوين العالى" و "القدرات النادرة"، و 40.000 للعمال المهرة، والعمال غير المؤهلين الذين يلبون احتياجاً خاصة.

* * *

فى سنة 2002 أعطت الحكومة الإيطالية حق الإقامة المشروعية لعدد من المهاجرين غير المستوفين للشروط القانونية وصل إلى 635.000 ، كما قررت التصريح بدخول 150.000 مهاجر جديد خلال سنة 2005، مع ملاحظة أن نسبة كبيرة منهم تأتى من بلاد شرق أوربا لتتجه إلى إيطاليا وغيرها.

أصبحت إيطاليا منذ سنة 1980 من البلاد التى ينتقل إليها عدد كبير من المهاجرين لكنها تفكر الآن فى أن تحد من هذا التدفق بتنفيذ سياسة "الكوتا" وأن تقيم نظماً تحول دون دخول المهاجرين غير القانونيين.

منذ أن وصل الاشتراكى "خوزيه ثاباترو" إلى الحكم فى "إسبانيا" خلال شهر أبريل سنة 2004 انكبت الحكومة الجديدة على دراسة وضع المهاجرين المقيمين فيها وعددهم 2.500.000 أغلبهم من شمال إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، فأعلنت أنها ستشرع فى تقنين أوضاع ما لا يقل عن 650.000 مهاجر خلال الفترة القادمة، لكنها لم تعلن عن السياسة التى ستتبعها فى المستقبل إزاء المهاجرين الجدد علماً بأن أسبانيا تستقبل23% من المهاجرين غير الشرعيين الذين يتجهون إلى أوربا.

فى فرنسا اتجهت الحكومات اليمينية إلى التخلص من أكبر عدد ممكن من المهاجرين غير الشرعيين، ففى سنة 2004 تم طرد 15.000 مهاجر، وفى سنة 2005 أعلن وزير الداخلية "دومينيك دى فيلبان" أنه تقرر طرد 20.000 مهاجر.

عدد المهاجرين الذين يحصلون على إقامة قانونية فى البلاد التى ذكرناها يصل إلى 1.400.00 سنوياً. لكن الآن يوجد اتجاه قوى لتحديد عملية الهجرة، وإحاطتها بقيود أكثر صرامة من تلك القائمة، وتوجيهها بحيث تخدم أغراض الشركات المتعددة الجنسية ومصالحها. هذه القيود لا تتعلق بعدد المهاجرين فحسب ولكن أيضاً بأنواع المهاجرين ليقتصروا إلى حد كبير على ذوى المؤهلات العليا، والخبرات الخاصة، وبحيث تتحول أوربا إلى قلعة منيعة لا يستطيع أن ينفذ إليها سوى أولئك الذين تحتاج إليهم الأنظمة الخادمة للرأسمالية الكبرى.

لقد تقلص حلم الهجرة إلى بلاد النفط منذ حرب الخليج الأولى، والآن تتجه أوربا إلى غلق أبوابها أمام مئات الآلاف من الذين كانوا يتدفقون إليها. لم يعد حلم الهجرة وارداً إلا فى حيز ضيق، سيظل يضيق فى السنين القادمة إلى أن ينجح أنصار التقدم فى شمال وجنوب البحر الأبيض المتوسط فرض حرية التنقل للناس بين البلاد بعد أن فرضت الرأسمالية حرية التنقل لرءوس الأموال إلى المنتدى الاجتماعى للبحر الأبيض المتوسط الذى سيعقد لأول مرة فى برشلونة خلال شهر يونيو 2005.


 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism