spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

الأهالى 25 يوليو 2001

حلم من أيام الطفولة

 

هل يوجد إنسان ، رجلاً كان أو مرأة لا يحلم بالعدل ؟ حلم العدالة حلم إنسانى ولد مع ولادة الظلم على الأرض ، منذ أن انقسم الناس إلى سيد ، وعبد. والإنسان قادر على التخيل ، على رؤية ما لا يوجد أمامه ، وعلى تصور ما يريده لحياته ، فالفاصل بين الإنسان والحيوان هو خياله.

         

الإنسان قادر على أن يتخيل نظاماً للعالم غير النظام الذى يعانى منه ، لأنه مبنى على التفرقة ، ولا يحقق العدل. لذلك لا يكف عن الحلم بوسائل لتغييره ، ولا يتوقف خياله عن تصور ما هو أفضل منه.

          فى الطفولة كنت مثل باقى الأطفال أعبر بصوت عال عما لا يعجبنى ، واعترض على الأشياء التى لا تقنعنى ، فالطفل حساس للظلم ، يراه بوضوح ، ويفصح عما فى أعماقه. يرى الكذب ولذلك ينطق بالصدق.

          من هنا جاءت القصة المشهورة عن الطفل الذى رأى الملك سائراً فى المدينة على صهوة جواده ، وهو عار تماماً بعد أن خلع ملابسه. عندما مر موكبه هلل له الناس ، وقالوا: ما أجمل ملابسه! لكن بينهم كان يوجد طفل أشار إليه وقال بصوته الرنان: "أنظروا الملك عار، لم يرتد ملابسه".

          هذه القصة إشارة إلى الخلل الموجود فى حياتنا وهو خلل لا ننتبه إليه. نرى فيها دليلاً على سذاجة الطفل ، على أننا نفهم ما لا يفهمه وأننا اصبحنا ندرك ما لا يدركه. نتهرب من التفكير فيها ، وتأمل مدلولها ، فهى تعنى أنه عندما نكبر نكف عن ممارسة الصدق ، أو نفقد القدرة على رؤيته ، إننا لا نرى المفارقات والظلم والكذب فى حياتنا ، إننا تعودنا عليها فأصبحت طبيعية فى حياتنا ، أصابنا نوع من العمى هو العجز عن رؤية الحق ، تقبلنا الأوضاع الظالمة والفاسدة التى نحياها فى البيت والمدرسة والشارع والمصنع والحقل ، فى كل مكان نذهب إليه كأنها طبيعية ومن يعترض عليها فهو طفل لم ينضج بعد ، أو مجنون أصابه مس فى العقل ، أو متطرف أو شاذ أو مشاغب يجب إسكاته.

          الحياة تفسد الطفل الذى يحمله كل منا فى أعماقه، تفسده مظاهر التفرقة التى نعيشها فى كل لحظة ، تفسده الأسرة والثقافة والمدرسة ووسائل الإعلام  ، يفسده الخوف من العقاب على الأرض أو فى السماء. لذلك لم نعد نرى نحن الكبار ما كان يجب أن نراه ، فقدنا القدرة على تخيل مجتمع مختلف وعالم مختلف ونظم مختلفة فيها صدق وفيها عدل ، أصبحنا ننظر إلى ما هو موجود على أنه سنة الكون ، موروث طبيعي لا نستطيع أن نغيره.

          الإبداع هو القدرة على تخيل حياة غير الحياة التى نعيشها ، والمبدع صاحب خيال مثل الطفل ، لذلك المبدعون الحقيقيون فى العلم أو الفن عاجزون عن التعامل اليومي مع الناس، فالأحلام الكبيرة تأخذهم ، تبعدهم عن الصغائر التى تتحكم فى أوضاعنا. إنهم كالأطفال لا يقبلون ما يغضبهم كالأطفال فى تطرفهم وإصرارهم على التضحية بكل شىء ما عدا لعبة الإبداع التى تعطى معنى لحياتهم ، فمن خلاله يصنعون عالماً جميلاً ومبهراً لا يسوده القبح الذى يفسد حياتنا ، ولا تتحكم فيه الأشياء التى نهتم بها عندما نكون فى "سن الرشد".

          عندما أنصت إلى الطفل المختبئ فى أعماقى أتخلص من التردد والمخاوف التى تضعفنى ، أصنع ما لم أصنعه من قبل ، وأشعر بسعادة لا يضارعها شئ.

 

طفل فى بلدتنا

 

          فى ربيع سنة 1986 شرعت فى إقامة بيت على قطعة من الأرض العقار فى قريتنا ورثتها عن أبى قبل هذا التاريخ بعقد. حول البيت زرعت حديقة بالموالح لأنها فاكهة يسهل رعايتها ، وعلى "المشاية" الممتدة من البوابة إلى البيت زرعت ست نخلات ، ثلاثاً على كل جانب منها فزوجتى نوال يربطها بالبلح الزغلول عشق لا يكاد يضارعه عشق آخر فى حياتها.

"طرح" النخل منذ خمس سنوات فأصبحت أسافر إلى البلدة فى نهاية شهر أكتوبر لنقطعه من على الشجر وأحمل جزءاً منه فى حقيبة السيارة عائداً به إلى القاهرة. أقف على "المشاية" بينما يصعد رجل فلاح يرعى الحديقة أعلى الشجر ليقطع "سباطة" بعد "سباطة". يضغط بالمنجل على الغصن المحمل ببلح يلمع لونه الأحمر القانى فى ضوء الشمس ، فإذا سقط تلقفه أبن أخيه الواقف الى جوارى أسفل النخل.

          فى السنة الأولى "للطرح" بعد أن وضع البلح فى المخزن تمهيداً لبيعه أشرفت على تعبئة الجزء الذى سأحمله معى إلى "مصر" ثم جلست على شرفة البيت أتأمل المساحات الخضراء والعصافير تقفز من غصن إلى غصن . لمحت صبياً يتسلل من ضلفة للبوابة نصف مفتوحة. سار على "المشاية" إلى أن اصبح يقف تحت النخل ، وأخذ يلتقط البلح "المضروب" الذى سقط على الأرض . كان يقرفص ويزحف من مكان إلى مكان فوق التراب الأسمر ، فهبطت سلالم الشرفة واتجهت إليه . كان نحيلاً ضامر الجسم ، يرتدى جلباباً ممزقاً عند الكتف وشبشباً "زنوبة" يرفرف حول قدميه. عظام وجهه الصغير تبرز تحت الجلد وعيناه مساحتان واسعتان من السواد كأنه لا يوجد شىء سواهما فى الوجه ، فلما رفع رأسه ونظر إلي أحسست بشىء كالرهبة أو الخوف كأن سوداهما سيبتلعنى.

          سألته من أنت فلم يرد. ناديت على راعى الحديقة وطلبت منه أن يعد له كيساً من البلح السليم الذى قام بتخزينه ، فغاب وعاد بعد قليل يحمله. أخذه الصبى منه ثم استأنف جمع البلح الذى وقع على الأرض ولما انتهى من مهمته تسلل خارجاً من البوابة فى صمت.

          منذ ذلك اليوم أصبح يتردد على البيت كلما حضرت لأخذ البلح. بعد وصولى بيوم أو يومين يتسلل من البوابة ويشرع فى جمع البلح من الأرض فى كيس من النيلون يحمله. أعطيه نصيبه من البلح وينصرف فى صمت. إن تحدثت إليه لا يرد .. ينظر إلي بعينيه السوداويين فأكف عن محاولاتى لاستنطاقه. عرفت من راعى الحديقة أنه يقضى أيامه ولياليه فى "السويقة" ينتقل بين الحوانيت الصغيرة والمقاهى ليقتات من التقاط الأشياء التى يتخلصون منها ، أو يتعطفون بها عليه كالكلب الضال لا صاحب له يطعمه ، والناس يصفونه بأنه لقيط ولدته امرأة غريبة عن البلدة وتركته على سلم أحد الحوانيت فى الليل ، فعثر عليه صاحبه ملفوفاً فى خرق بالية. تكفلت به بائعة بصل أخضر وخس وشبت وجرجير إلى أن كبر وأصبح يتنقل على قدميه ويقوم ببعض الخدمات البسيطة لأهل "السويقة" يجازونه عليها بقطعة من الخبز ، بقليل من الطبيخ البائت ، بقرص طعمية أو شىء يستر به جسده العارى.

          أصبح طفل "السويقة" يرقد ويتحرك ويأكل فيها.

          مرت ثلاث سنوات على هذا المنوال ، يأتى فى الميعاد حاملاً كيسه ، يأخذ نصيبه من البلح الزغلول ويعود إلى "السويقة" باءت كل محاولاتى لكى ينطق بالفشل . شىء واحد فقط جعله ينتبه إلي. فى يوم من الأيام كنت أحمل كتاباً فيه صور فوتوغرافية جميلة جلست على كرسى تحت النخيل وصرت أقلب فيه. أقترب مني وأخذ يحملق فى الصور التى أقلب فيها ، فأعطيته الكتاب ، تأمل الصورة التى كنت أنظر إليها ، صورة الطفل الفلسطينى الذى يقف أمام دبابة إسرائيلية تزحف عليه رافعاً ذراعه ليلقى بقطعة من الحجر عليها. طوى الكتاب ووضعه فى كيسه وبعد أن جمع بلحه انصرف من البوابة كعادته فى صمت.

          فى أكتوبر الماضى عندما ذهبت لجنى البلح غاب. لم يأت ليأخذ حصته من بلح الزغلول الساقط من النخيل أو من البلح الذى قمنا بتخزينه، فلما سألت راعى الحديقة عنه صمت لحظة ثم حملق فى وجههى وقال: "تعيش إنت".

قلت : مات؟

قال: نعم ، وجدوه فى الصباح جثة راقدة على سلم أحد الحوانيت وفى يده كتاب فيه صور.

 

حقل تجارب

 

          الأطفال فى فلسطين حقل تجارب للأسلحة الحديثة: تقول التقارير التى كتبها بعض المعلقين فى الصحف الأجنبية أنه منذ إندلاع الأنتفاضة فى فلسطين بلغ عدد الشهداء 500 تقريباً ، أما الجرحى فقد زاد عددهم على 22.600 جريح ، وهناك 13 شهيداً وأكثر من الف جريح داخل الخط الأخضر الذى يفصل بين إسرائيل والضفة الغربية وثلث عدد الشهداء سنهم أقل من 18 سنة أى أنهم أطفال أو مراهقون.

          تمثل الإصابات بالرصاص الحى 36.5 % من العدد الإجمالى للإصابات ، أما بالرصاص المغلف بالمطاط فتمثل نسبة 28 % ويوجد لدى السلطات الفلسطينية عينات من دم ضحايا أطلقت عليهم غازات محرمة دولياً ، كما أن لديها عينات من القذائف ، وتقريرين عنها أحدهما من مؤسسة هولندية والآخر من هيئة أمريكية يؤكدان أن هذه القذائف مصنعة فى الولايات المتحدة وأنها شبيهة بما استخدم فى العراق وتشتمل على يورانيوم مستنفد أثبت الأطباء أنه يسبب حالات مرضية خطيرة ومنها سرطان الدم والجلد وتدمير النخاع الذى تتكون فيه الكرات الدموية المهمة للحياة. 

هناك أيضاً قذائف جديدة جربت فى فلسطين تنطلق منها مسامير حادة للغاية طولها 2.8 سنتيمتر وعرضها 3 مليمتر ولها أحياناً بروزات كالزعانف المدببة على الجانبين ، وجميع من أصيبوا بهذه القذائف ماتوا فوراً ، كما أن هناك غازات سامة أطلقت مرة واحدة فى خان يونس أحدثت تهيجاً خطيراً فى الجهاز العصبى لمائة وخمسين من الشباب والأطفال والإناث والذكور الذين تعرضوا لها.

يبدو أن حكام إسرائيل الحاليين فيلق من فيالق النازية الجديدة. ألم يقل زعيم حركة شاس الدينية أن العرب شعب حقير يجب أن يباد عن آخره ؟! ألم تكن هذه اللغة هى لغة هتلر والنازيين عندما كانوا يبررون إبادة اليهود للتخلص منهم ؟!.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism