spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

تغيير الدستور شعار مرفوع قبل أوانه

 

طوال السنين الماضية تعالت الأصوات التى تنادى بضرورة تعديل الدستور المصرى بهدف التخلص من المواد التى تسمح بانفراد رئيس الجمهورية بسلطات لا حدود لها ، وتحميه من المساءلة ، وتبقيه حيث هو فى قمة السلطة دورات متتالية . تلك السلطات التى تستخدم لغرض فرض سيطرته شبه الكاملة على الجهاز التنفيذى ، والتشريعى ، والقضائى ، وعلى البوليس والقوات المسلحة ، والتى سمحت بتمرير عشرات من القوانين المقيدة للحريات ، والقوانين التى تحرم الشعب من حقوقه الاقتصادية والاجتماعية .

أنا بالطبع مقتنع بضرورة تعديل الدستور باعتباره وسيلة هامة لإحراز تقدم ديمقراطى حقيقى . لكن الدستور باعتباره القانون الأعلى فى المجتمع وشأنه شأن جميع القوانين التى تحكم بلادنا تعبير عن توازن القوة السائد بين الحركة الشعبية الساعية الى التقدم وبين القوة الرجعية المتسلطة على الحكم ، والمهيمنة على المجتمع . هو تعبير عن واقع سياسى واجتماعى واقتصادى وثقافى ، ولا يمكن أن يحدث فيه تغيير يحقق مزيدا من الديمقراطية للطبقات والفئات الفقيرة والمتوسطة إلا إذا تبدل ميزان القوة ، أى إلا إذا تدعمت الحركات الشعبية الساعية الى التقدم ، واستطاعت أن تضغط ، وأن تفرض إرادتها على السلطة القائمة .

لذلك منذ شهر كتبت مقالا تساءلت فيه عن مدى حكمة المناداة بتغيير الدستور المصرى فى ظروفنا الراهنة . وها أنا أعيد هذا السؤال من جديد . فنحن نعيش فترة من الردة ، فترة تراجعت فيها التنظيمات الشعبية المختلفة ، وتشرذمت وضعفت سواءً كانت أحزاب سياسية أو تنظيمات اجتماعية فى القطاع المدنى . فترة زادت فيها ضراوة القوانين المقيدة للحريات وفقد فيها الشعب العديد من حقوقه . فترة ساد فيها مناخ ثقافى متخلف انتشرت فيه الخرافات ، والأفكار الغيبية السلفية ، وروح الاستسلام ، واللامبالاه واليأس . فترة تدعمت فيها القوة الاستعمارية الجديدة ، وقويت شكيمة ، وعدوانية ونفوذ الدولة الإسرائيلية العنصرية فى منطقتنا . فترة ما زالت فيها الدوائر النفطية تبسط فيها إرادتها على نواح هامة فى حياة البلاد ، وتكون فيها مجلس شعب يمثل نفوذ رجال الأعمال الموزعين بين فريقين ؛ فريق مرتبط بالسلطة الحالية ، وتغلغل فى مختلف أركانها ، وفريق آخر ينتمى الى الحركة السياسية الإسلامية . فترة حصل فيها الإخوان المسلمين على خمسة وثمانين مقعدا فى مجلس الشعب .

فى ظل هذه الأوضاع كيف لنا أن نتوقع دستورا أكثر تقدما عما هو قائم ؟ هل كانت الحركات السياسية والاجتماعية التى شهدناها فى السنين الماضية كافية لكى تفرض تغييرا تقدميا على دستور سيصوت لإقراره مجلس شعب تشكيلة أكثر رجعية مما كان .

يبدو لى أن تحليلا متأنيا للأوضاع الحالية ينبغى أن يقودنا الى إعادة النظر فى رفع هذا الشعار ، وإلى استبداله بالتركيز على الارتباط بالحركات الاجتماعية للشعب ، وتنظيمها فى نضال يومى من أجل حقوقها ، ومن أجل إلغاء القوانين المقيدة للحريات ، والقوانين والتشريعات والقرارات التى سعت وتسعى الى تصفية ما حصل عليها المواطنون والمواطنات من حقوق اقتصادية واجتماعية بفضل نضالهم .

فإلى أن يتغير ميزان القوة فى المجتمع يمكن أن يكون الدستور الجديد أسوأ من الدستور الحالى . أن يتمخض عن عدوان آخر على الجماهير الشعبية ، على الثقافة وعلى الفساد ، على الأقباط ، وعلى قطاعات شعبية مختلفة فى المجتمع . أن يكون دستورا يدفعنا الى الوراء بدلا من أن يجعلنا نتقدم خطوات الى الأمام . ألم يحدث هذا عندما تم التعديل الأخير للمادة 76 من الدستور الحالى لنجد أنفسنا ضحايا لالتفاف السلطة مرة أخرى حول مطالب للتغيير رفعتها تحركات مختلف فئات الشعب .

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism