spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

الأهالى 2 مايو 2001

هل يمكن أن نصنع مواطناً عالمياً ؟

أصبحت المعركة ضد العولمة ظاهرة عالمية تشمل جميع قارات العالم. وهى معركة ضد القهر والظلم، ضد طغيان الشركات متعددة الجنسيات ، وإفقار شعوب العالم الثالث. منذ مظاهرات مدينة سياتل الأمريكية ، حيث عقد مؤتمر منظمة التجارة العالمية ، حتى مظاهرات مدينة كيبك فى كندا التى قامت  مؤخراً ، أثناء اجتماع أقطاب دول الأمريكتين ، والمعركة ضد العولمة تنمو وتتسع.

 

          ذلك المساء جلست على مقهى "ريليه دى لوديون" أتطلع من خلال الواجهة الزجاجية على جموع السائرين فى شارع "سان جيرمان ليبريه". الجو شتاء ورذاذ خفيف من المطر يسقط . أتذكر صوراً من حياتى الماضية ، واستغرق فى هذا التدفق الحى . أرتشف من "المارتينى" الأحمر أحضره لى النادل ، وأرمق الشاب الطويل القامة ، المتأمل ، الجالس إلى جواري. شعره الأسود الكثيف شاب منذ سنوات. ترى أهى الوراثة عن أمه ، أم صراع الفنان فى عالم سينمائى تسعى فيه المصالح إلى طرد الإبداع ، وشجاعة المواقف ليحل محلها الخيال المريض للعنف والجنس الفاضح ، او تزييف المشاعر هروبا من قضايا الإنسان المعاصر ؟!.

          أقول له منذ خمسين عاماً جلست على هذا المقهى أشاهد السائرين فى الشارع. ففى مقاهى باريس لا يمل الإنسان هذا التدفق البشرى المتنوع ، المتشابه. عشت حياة اللاجئ السياسي فى هذه المدينة ، والآن عدت إليها. أتذكر الماضى وأحاول أن أخترق غيوم الحاضر. منذ خمسين عاماً هبطت من باخرة للشحن فى "مارسليا" بلا جواز ، بلا أوراق. ركبت قطار الليل إلى باريس وحيداً فى عالم مجهول ، وغامض. البرد يخترق النسيج الرفيع الناحل للبزة ، علقت بها رائحة القيء من تقلبات العاصفة التى اجتازتها الباخرة قبل ان تصل إلى مأواها. جئت من مصر بعد هروبى من السجن ، وحكم محكمة "الطنطاوى" ، مختبئاً فى جوفها.

          أقرأ فى عينى ابنى الجالس إلى جوارى شيئاً كالحنان القلق ، كأن فى عقله يدور التساؤل الذى لم أجد له جوابا. هل أنا أكثر حرية مما كنت فى تلك الأيام ؟ هل أنا أكثر سعادة ؟.

          علمتنى الأيام ان السعادة ليست إلا لحظات متناثرة ، يمكن أن نعرفها حتى ونحن خلف الأسوار، وفى تلك اللحظة كنت أعيش سعادة اللقاء الذى جمعنا مصادفة فى هذه المدينة الجميلة. جاء لحضور عرض فلمه فى صالاتها ، وجئت لحضور مؤتمر ، فشاءت الحظوظ ان نلتقى ، وان أشاركه فرحة النجاح الذى حققه فيلم "الأبواب المغلقة".

          أما الحرية فقد أدركت بعد أن خرجت من السجن أن هناك أنواعاً من الحصار تفننت فيه الأنظمة منذ أن كنت شاباً يافعاً كثير الحماس ، قليل الخبرة ، لا تحتاج معها ان تضع المتمردين على فسادها فى سجونها . إنها قادرة على سجنهم فى بيوتهم. وفى السفر فوائد ، منها ان يتنفس الإنسان جواً لا يخنقهً. السفر اختراق الحدود والقيود الموضوعة على الفكر والعمل فى وطن يتفاقم فيه حصار رأس المال والسلفية الساعية إلى وأد العقول المبدعة.

 

بعد مرور سنة على انتفاضة "سياتل"

 

        تركت القاهرة لأشارك فى مناقشة قضية تطرح نفسها بإلحاح فى عصرنا. كيف يمكن مواجهة عملية الإفقار والتهميش التى تفرضها القوى الرأسمالية العالمية على آلاف الملايين من البشر ؟ كيف يمكن ان تتحد الشعوب رغم اختلافاتها لكى تغير مسار العولمة لصالح الأغلبية الساحقة من سكان الأرض ؟ جئت لأحضر مؤتمراً دولياً أقامته عشر منظمات فرنسية غير حكومية تحت عنوان "من أجل بناء مواطن عالمى" ، لأشارك مع ما يزيد على ألف وخمسمائة رجل وامرأة فى مناقشة مسألة العولمة ، وآثارها على المجتمع. من بينهم خمسمائة مشارك من بلاد الجنوب ، من أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا ومن بعض البلاد العربية بما فيها مصر.

        عقدت جلسات المؤتمر فى "لاجراند هال دى لافيليت" وهو بناء ضخم كانت تذبح فيه المواشى قبل إرسالها إلى السوق ، ثم تم تحويله الى مركز ثقافى توجد فيه أقسام لعروض الموسيقى والرقص ، وللندوات الفكرية والفنية ، كما توجد فيه مكتبة كبيرة ، ومتحف ومعارض للفن التشكيلى والنحت ، وصالات لألعاب الأطفال ، والرياضة ولممارسة مختلف الهوايات.

          وأقيمت الجلسة الافتتاحية فى مدرج "شارلى باركر" وهو مؤلف لموسيقى الجاز من جزر الكاريبي كان له جمهور كبير ، واشتهر بأنغامه المعبرة عن حياة السود. ازدحم المدرج ، وامتلأت مقاعده بمئات الرجال والنساء جاءوا من مختلف أنحاء العالم لأنهم يرفضون الاستسلام لما يحدث من اضطهاد وظلم لشعوب العالم ، للهيمنة التى تفرضها الشركات متعددة الجنسية. جاءوا وفى أذهانهم تساؤلات ، وأفكار ومطالب تتعلق بالاقتصاد والبيئة ، والثقافة والدين والجنس ، وأثر العولمة على هذه المجالات. ناقشوا كل هذا فى ورش للعمل وصل عددها إلى أكثر من عشرين ورشة ، فلا يمكن فهم ما يجرى فى عالمنا ، عن طريق تجزئة المعرفة ، والفصل بين مجالاتها ، تلك التجزئة التى تفرضها نظم التعليم ، والثقافة والإعلام فى كل البلاد ، لإخفاء الحقيقة عن أعين الناس حتى تستمر القلة فى فرض سيطرتها. فالمعرفة الحقيقية تبنى على النظرة الكلية لحياتنا ، على فهم العلاقات بين مختلف مجالاتها.

 

تقسيم البشر لفرض السيطرة

 

          أحد التساؤلات التى طرحت فى هذا المؤتمر كانت تدور حول ظاهرة عالمية تبدو متناقضة: لماذا توحد القوة الاقتصادية والعسكرية والإعلامية والثقافية المسيطرة على العالم إمكانياتها وجهودها بينما تتزايد المنازعات بين الشعوب ، وداخل الأوطان على نحو ملفت للنظر ؟ لماذا تحارب الشعوب الإفريقية بعضها ، وتتقاتل الجماعات العرقية فيما بينها ؟ لماذا يتزايد التعصب القومى ، وتسعى كل جماعة قومية إلى الانفصال لتستشري ظاهرة البلقنة فى مناطق مختلفة من العالم ؟ لماذا انتعشت الاتجاهات الدينية المتعصبة فى عدد كبير من الدول فى الشمال والجنوب ؟ لماذا انقسمت الحركات العمالية والفلاحية والنسائية وتفتتت تنظيماتها ؟ لماذا تشرذمت الأحزاب السياسية المعارضة وجماعات المثقفين ، والحركات الاجتماعية. كل هذا بينما لم تتوقف القوة الرأسمالية الكبرى والشركات المتعددة الجنسية عن إتمام عمليات الاندماج وعن إقامة إمبراطوريات ضخمة فى مختلف المجالات ، فى الصناعة والبنوك والإعلام.

          عندما نشأ النظام العبودى وانقسم المجتمع إلى أسياد وعبيد ، أصبح شعار الأسياد "فرق تسد" ومنذ ذلك اليوم تفنن المسيطرون فى الاستفادة من عوامل التفرقة والانقسام بين الناس ليحكموا قبضتهم. فى عصر العولمة هناك عوامل تساعد على إذكاء الخلافات ، بينما ترتب على تطور وسائل الإعلام والاتصال وإنجازاتها ان أصبحت الشركات متعددة الجنسية قادرة على مد سيطرتها إلى أبعد بقاع العالم ، على نقل عملياتها من مكان إلى مكان بسهولة ، وعلى التعامل مع درجة كبيرة من الفوضى. لذلك تقوم الصراعات المختلفة دون ان يضر هذا ً بنشاطها المالى والاقتصادى بل يوفر لها إمكانات واسعة للمناورة بين الأطراف المتنازعة. فمثلاً الشركات الكبيرة التى تعمل فى إفريقيا لتستخرج الماس ، أو البترول ، أو المعادن ، تستفيد من الفرق المتناحرة لتحمى نشاطها ، وفى الوقت نفسه تبيع لها السلاح على نطاق واسع. ذلك ان تجارة السلاح تعتمد على النزاعات القومية والعرقية ، والدينية بعد ان انتهت مرحلة الحرب الباردة.

          العولمة الرأسمالية تريد أن تصنع سوقاً عالمية واحدة ، وثقافة واحدة ، وقيماً مادية استهلاكية متشابهة حتى تبيع منتجاتها فى كل أنحاء العالم ، والشعوب تسعى إلى مقاومة هذا النمط الواحد عن طريق التمسك بالقومية والعرق والثقافة والديانة فينقلب هذا فى ظل الظروف الصعبة والأزمات التى يعانى منها الناس إلى مغالاة ، إلى السلفية والتعصب والى الصراع والانقسام.

          العولمة الرأسمالية تؤدى إلى تضخم الفوارق بين الأغنياء والفقراء ، وبين الطبقات والفئات الاجتماعية ، إلى تزايد امتيازات البعض ، بينما تواجه الأغلبية الفاقة والحرمان، فينمو الحقد ويكثر التنازع. إنها تسعى إلى زيادة الأرباح باستخدام التكنولوجيا والاستغناء عن العمال فتتفشى البطالة ويضعف التضامن بين من يعملون ومن يعانون البطالة ، وتنقسم الطبقات العاملة إلى فئات متناحرة. الاقتصاد الحديث يقسم العمالة إلى أقلية تمتلك قدرات فنية عالية وتتقاضى أجورا مرتفعة وأغلبية تقوم بأعمال لا تحتاج إلى دربة خاصة . لذلك ينتشر تشغيل النساء والمهاجرين ومن هنا ظواهر "تأنيث الفقر" والصراعات العرقية التى تتفاقم يوما بعد يوم. أما باقى السكان فيصبحون من المهمشين الذين يتلقفون قوت يومهم بأية وسيلة.

 

العولمة من أسفل

 

          أصبحت الرأسمالية المتعددة الجنسيات قوة عالمية مسيطرة وطاغية ، ولا يمكن تغيير مسار الأمور إلا بظهور حركة شعبية عالمية تصارع ضد قوى الطغيان فى سبيل نظام عالمى وإقليمي ومحلي تسوده العدالة والديمقراطية. انها معركة معقدة وطويلة بسبب عوامل التفرقة بين الناس ، فكيف يمكن ان تتحد الجهود رغم الاختلافات من أجل أهداف عامة تهم كل الشعوب وعالم أفضل يحقق لها العدل ، والحرية والسلام ؟.

          بعد إحدى الجلسات ، دار الحديث بينى وبين امرأة شابة، مسئولة عن السكرتارية التى أشرفت على تنظيم المؤتمر. عرفت منها أنها متزوجة ولها طفلان ، وأنها تعد رسالة لنيل الدكتوراه ، ومع ذلك تحملت هذه المسئولية التى تطلبت منها مجهودات متواصلة لمدة سنة. أثناء الحديث كانت تتصرف فى عشرات المسائل بأسلوب سلس ، وهادئ. عيناها صافيتان يطل منهما إشراق جميل. قالت اخترنا عنواناً للمؤتمر: "كيف نصنع مواطناً ومواطنة عالمية". فالتحركات العالمية ضد العولمة مازالت فى بدايتها ، مازالت مثل فيالق للصدام تتتبع اجتماعات الهيئات الدولية مثل البنك الدولى ، ومنظمة التجارة العالمية والاتحاد الأوروبى والآسيان واجتماعات "دافوس" لتحاصرها ولتعبر  عن احتجاج الشعوب ضد سياسات هذه المنظمات التى تشرع لمصالح الشركات المتعددة الجنسية فى العالم. حاصرتها فى سياتل وواشنجتون وجنيف وبراغ وبانكوك ويوم 25 يناير عقد اجتماع دولى فى مدينة بورتو إليجري بالبرازيل لوضع برنامج دولى للكفاح ضد العولمة.

          لكن العولمة تسيطر على مراكز القوة من أعلى وتصنع شبكات عالمية تمتد ، وإلى كل ركن من أركان العالم. إنها تخترق كل مراتب المجتمع لتصل إلى الأسرة والفرد ولتحول دون انخراط الناس فى العمل الجماعى ضدها تحاول اقناع الناس بمختلف الوسائل أنهم عاجزون عن تغيير أى شئ ، ان العمل الجماعى فاشل وسيضر بهم ، وان الأفضل ان ينصرف كل فرد لحاله، فإذا اجتهد يستطيع ان يصعد فى المجتمع وان يحقق أحلامه.

          أثناء وجودى فى باريس شاهدت أربعة أفلام سينمائية تنبهت أثناء مشاهدتها أن التركيز الأساسي كان على حياة الأبطال. كانوا يواجهون مشاكلهم وحدهم ، لكن ظل البعد الجماعي غائباً. فقد أصبحت هذه النظرة الفردية غالبة على كل الأفلام على عكس ما كان حادثاً عندما كنت شاباً فى الخمسينيات والستينيات . انها جزء من أيدولوجية العولمة التى تنشرها عن طريق وسائل الإعلام ، وعلى الأخص التلفزيون والأفلام السينمائية والفديو حتى يظل الفرد مولياً ظهره للعمل الجماعي الذى تتضافر فيه جهود الناس ليصبحوا قوة قادرة على الدفاع عن مصالحهم.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism