الأهالى 17/7/2002
إنهم
يريدون خصخصة
ثورة يوليو
في هذه
الأيام تجري
زفة الاحتفال
بثورة يوليو
1952. يشارك فيها
الجميع يسار،
ووسط، ويمين.
تشارك فيها
الحكومة، والمعارضة،
والذين يصفون
أنفسهم بأنهم
"مستقلون".
في هذه
الأيام تظهر
صورة عبد الناصر
من جديد، تظهر
في الصحف الحزبية،
والقومية،
وفي الصحف التي
يمولها المضاربون
في السوق، أو
تجار الحشيش،
أو التي تصل
إليها الأموال
بطرق مجهولة
حتى تظل الصحافة
حرة للذين يملكون.
في هذه
الأيام نقرأ
افتتاحيات،
وعواميد لكتاب
ورؤساء تحرير
تقول إن عصر
السادات، إن
أنظمة الانفتاح،
الصديقة لأمريكا
هي امتداد لثورة
يوليو سنة 1952.
وتقيم وزارة
الثقافة احتفالا
كبيرا بمناسبة
مرور خمسين
عاما على استيلاء
الضباط الأحرار
على الحكم في
البلاد، وعلى
إسقاط نظام
الملكية، والإقطاع
الموالي للإنجليز.
في هذه
الأيام تزدحم
قنوات التليفزيون
بالبرامج والأحاديث،
بالمسابقات،
والأغنيات
التي تذكرنا
بهذا اليوم
المجيد، ونستمع
إلى الخطب التي
يتناول فيها
المسئولون
ثورة يوليو
سنة 1952. والتي
ربما تذكر فيها
بعضهم الدور
الذي قاموا
به لإنجاحها.
في هذه
الأيام يتغنى
بها من هاجموها،
وقاوموها،
وأهالوا عليها
التراب، والطين،
ثم لم يألوا
جهدا لتصفية
إنجازاتها
على مر السنين.
أو من ظلوا يلفونها
في الصمت حتى
لا تننبه إليها
الأجيال الجديدة.
فما
سر هذه الصحوة
الفجائية،
وما تفسيرها.
لماذا يتغنى
أنصار البنك
الدولي بالثورة
التي رفضت أن
تخضع له، وأممت
شركة "قناة
السويس"؟
يواجه
النظام الذي
ورثناه من عهد
السادات أزمة
اقتصادية،
وسياسية عميقة
نتيجة الارتباط
بالسوق الحرة،
وبالتكيف الهيكلي،
والتخصيص. وهي
كلها سياسات
لمصالح الشركات
المتعددة الجنسية
التي تريد أن
تتحرك في سوقنا
الوطنية كما
تشاء لتمتص
ما بقي فيها
من قدرات وأموال.
ففي ظل هذه السياسات
توقف أي توسع
في الإنتاج،
وأصيبت الصناعة
والزراعة بحالة
انكماش. في ظلها
انتشرت البطالة
بين المتعلمين،
وتم تهميش الملايين
من الرجال والنساء
الذين يكسبون
قوت يومهم بأي
وسيلة، أو لا
يكسبونه على
الإطلاق. في
ظلها انتشرت
الدعارة، والمخدرات
ووسائل العيش
العارضة على
حافة المجتمع،
والقانون.
في كل
يوم تؤدي سياسة
"الصداقة"
مع أمريكا إلى
تشجيع العدوان
الإسرائيلي
على فلسطين،
وإلى مجازر
لا تنتهي، وإلى
حصار متزايد
للشعب الصغير،
وإلى اشتداد
أسلوب البلطجة
والغطرسة،
والتهديد،
والعدوان الموجه
ضد سوريا، والعراق،
ولبنان، وضد
بلادنا في بعض
الأحيان. فنحن
نواجه الضغوط
المستمرة لكي
نخضع للهيمنة
الأمريكية
تماما. ذلك أن
الطبقة الحاكمة
في أمريكا لا
تبالي لما يحدث
للملايين من
الرجال، والنساء،
والأطفال في
سبيل تراكم
أرباح حفنة
من الرأسماليين
الأغنياء.
هذه
"الزفة" الوطنية
محاولة للتمسح
في ثورة يوليو
سنة 1952، وخلط
الأوراق. فإذا
أصبحت المسائل
غامضة وساد
أسلوب "السداح
مداح" يمكن
التغطية على
سياسة التبعية،
وعلى مسئولية
من قادونا إليها.
إنها محاولة
للقول بأن المسيرة
الوطنية لم
تمس، إننا مازلنا
سائرين على
الدرب، مدافعين
عن مصلحة الوطن.
إنها محاولة
لتصوير النظام
الحالي بأنه
امتداد لثورة
23 يوليو، إنه
وريثها الشرعي
يعتز بها كجزء
من تاريخه،
لننسي أنه أقيم
لكي يصفي ما
قامت عليه،
وجاهدت في سبيله.
الآن
بعد أن خضع اقتصادنا
للتخصيص يريدون
تخصيص أفكارنا،
وتاريخنا. يريدون
تخصيص ثورة
يوليو لحساب
الفئات الرأسمالية
الطفيلية،
والمضاربة،
لتأخذنا الحمية،
ونلتف حول سياساتها
متناسين ما
فعلته بحياتنا.
فالوطنية سلاح
ذو حدين يمكن
أن يستخدم لصالح
الجماهير،
ويمكن أن يستخدم
لتدعيم مركز
الفئات الحاكمة،
لتفعل بنا ما
تريد.
إن ضجيج
الاحتفال بثورة
يوليو يهدف
إلى التغطية
على الأوضاع
التي نعيشها،
إنه إيحاء بأننا
جميعا شركاء
في الحركة الوطنية
ضد الاستعمار.
من وقف معها
وضحي في سبيلها،
ومن وقف ضدها،
وتحالف مع الأمريكان.
إيحاء بأننا
جميعا شركاء
في الوطن لا
فرق بين أصحاب
الثروات الطفيلية
الذين يخربون
اقتصادنا،
وبين الذين
لا يملكون فيه
شيئا، لا أرض،
ولا سكن، ولا
قدرة على الزواج،
ولا عمل. لا فرق
بين من يضارب
في العملة وفي
سوق الاستيراد
وبين من يضيف
قيمة عمل أو
إنتاج، أو خدمة،
أو مهنة يستفيد
منها الرجال
والنساء في
بلادنا، وليس
الشركات التي
جاءت تؤسس مشروعا
ثم تهرب بأموالها
إلى الخارج.
فالحديث
عن الوطنية،
والأوطان. عن
أمجادها. عن
وحدة المصير،
والمصالح. عن
مصر أمنا جميعا،
كثيرا ما يتصاعد
عندما يعم الإحساس
بين عامة الناس
أنه ليس لهم
نصيب في أوطانهم.
عندما ينتشر
التساؤل حول
"الانتماء"
فيصرخ بعض كتابنا
الكبار الذين
يستريحون إلى
الأوضاع لأنها
جعلتهم "كبارا"
"أين روح الانتماء
التي عشناها
في الماضي".
الثورة
كانت حلما عظيما
سيراودنا بشكل
أخر
في ذاكرتي
مازالت تحيا
صور، وأحاسيس
موحية عن "جمال
عبد الناصر".
وكلما بعدت
المسافة بيني
وبين تلك الأيام
التي عشتها
مع ثورة "الضباط
الأحرار" تأكدت
هذه الصور وزاد
ثراؤها.
منذ
أيام قريبة
اتصل بي أحد
الصحفيين المنتمين
إلى التيار
الناصري وطلب
مني أن يجري
معي حوارا عن
ثورة يوليو
سنة 1952، وعن عبد
الناصر. في بداية
الحوار سألني
عن صورة لعبد
الناصر انطبعت
في ذهني، وظلت
نابضة على مر
السنين.
عندما
سألني مرت في
ذهني صور متتالية.
رأيته أمامي
طويل القامة،
تبرق عيناه
السوداوان
بريقا قويا،
وتشرق ابتسامته
في الملامح
السمراء كطمي
النيل. تذكرته
يوم أن أعلن
قراره بتأميم
قناة السويس،
ثم يوم أن خطب
في الجماهير
من أعلى منبر
الأزهر يحثهم
على النضال
ضد الغزو الثلاثي.
رأيته جالسا
مع زعماء عدم
الانحياز في
مدينة "باندونج".
عادت إلى اللحظات
العظيمة في
حياته، وتردد
في أذني نبرات
صوته الدافئ،
وهو يتحدث إلى
الجموع بلغتهم
البسيطة. لكن
في لحظة من اللحظات
استولت على
خيالي صورته.
رأيتها على
شاشة التليفزيون
بعد هزيمة 5 يوليو
سنة 1967 بأيام.
فقد عشت مع هذه
الثورة مع عبد
الناصر لحظات
انحفرت في وجداني
لا أنساها.
قلت:
"صورته على
شاشة التلفزيون
يوم 9 يونيو سنة
1967. وهو يلقي خطابه
معلنا قراره
بالتنحي عن
الحكم، وعن
جميع مسئولياته".
صمت
لحظة طويلة.
بدا لي وكأنه
يبتلع ريقه.
ثم جاءني صوته
عبر أسلاك التليفون
وهو يسألني:
"أهذه هي الصورة
التي تتذكرها
عن عبد الناصر
في مناسبة الاحتفال
بمرور خمسين
سنة على ثورة
يوليو".
قلت:
"لا. لكن هذه
الصورة ظلت
عالقة بذهني
أكثر من صوره
الأخرى. ظلت
توحي إلى بأفكار
وأحاسيس كثيرة.
فالهزيمة دروسها
أحيانا أغني
بكثير من المعارك
التي ننتصر
فيها. أو لأنني
روائي رأيت
فيها عظمة القائد،
ومأساته".
قال
: "لكن قبل أن
تكون روائيا
عشت سياسيا
لسنين طويلة؟!".
قلت:
"ربما طغت الرواية
على حياتي. ثم
أنا لا أفصل
بين الأدب،
والسياسة. ويوم
أن يستطيع
حكامنا، وسياسيونا
التزاوج بين
الفن والسياسة
ربما تحسنت
أحوالنا لأنهم
عندئذ سيصبحون
أكثر إدراكا
لعذابات الإنسان".
وعدني
بمعاودة الاتصال
ليتفق معي على
موعد لإجراء
الحوار، لكنه
كما توقعت لم
يفعل. أدركت
أنه إذا ما ذكرت
الناس بهذه
الصورة وسط
زفة الاحتفال
بثورة يوليو
سأغضب الذين
يعتبرون أنفسهم
المدافعين
المخلصين عن
ثورة يوليو،
وربما ظنوا
أنني تعلمت
من المثقفين
الكبار دروس
التحضر والتنوير
التي قادتهم
إلى منافع "السوق
الحرة"، و"الكوكبة"
في عصرنا "ما
بعد الحديث".
لكن
عندما أجبت
عن السؤال الذي
طرحه على ذلك
الصباح كنت
أعبر عن إحساس
صادق. فهذه الصورة
هي التي ظلت
نابضة في وجداني
أكثر من غيرها.
رأيتها على
شاشة التليفزيون
في الساعة السابعة
والنصف مساء
يوم 9 يونيو سنة
1967، وأنا جالس
مع مجموعة من
العاملين في
وزارة الصحة.
رأيت فيها عظمة
عبد الناصر،
ومأساته. رأيت
فيها كبرياء
من يصارع للاحتفاظ
بكبريائه في
لحظة عصيبة
للغاية. رأيت
فيها إنسانا
كان يعتز بنفسه
منذ الصغر فأحب
الاستقلال
طريقا له، وهدفا
يناضل من أجله
الوطن، رجل
كانت له كرامة
فأبي التبعية
للاستعمار،
أو الخضوع لغيره.
كان على استعداد
دائما لخوض
المعارك، لأن
يجازف، ويتحدى
ويحرق الدماء
في عروقه إلى
أن تصلبت، ولم
تعد تضخها إلى
قلبه. كان عقله
قادرا على الخيال،
على الأحلام،
وكان قلبه ينبض
فقط لمشروع
عظيم كرس له
حياته إذا استيقظ
أنشغل به، وإذا
نام ظل يحلم
به. لذلك لم يمت،
وإنما ظل حيا
في الذين آمنوا
بالعدالة،
وحرية الوطن.
في المصابيح
يقرأ الأطفال
دروسهم تحت
أضوائها. في
المياه تجري
في حقول الفلاحين
طوال السنة.
لذلك
عندما أعلن
عن قراره بالتنحي
عن الحكم هبط
الشعب إلى الشوارع،
دون توجيه،
ودون تعليمات
من أحد. سار في
الظلام الحالك
لأنه كان يري
من أين يأتي
الخطر. لأنه
كان يدرك أن
الاستعمار
الجديد، وأعوانه
يستعدون للانقضاض
على إنجازات
الثورة، وتصفيتها.
مضي
على هذه الصورة
خمس وثلاثون
سنة. رأيت فيها
الكبرياء المجروح،
والأحلام تحطمت.
سمعت منها صوته
يهتز، والغصة
في حلقه وظلت
معي، فما أصعب
على الأسد من
أن يهزم. ظلت
معي لأنها لخصت
ما يحدث عندما
تعمي السلطة
عيون القادة
فلا يرون ما
يجري من حولهم.
كان "عبد الناصر"
حبيس الظروف،
والرجال الذين
أحاطوا به. حبيس
العيوب التي
جعلته قاصرا
عن رؤية ما كان
يجب أن يتنبه
له. تكاتفت قوي
الاستعمار
وأعوانه. تكاتفت
إسرائيل وحكام
عرب كانوا قلقين
على حكمهم،
على ثروات سهلة
ظلوا يضخونها
من باطن الرمل،
والبحور المحيطة
ببلادهم.
هزمته،
وهزمتنا طبيعة
الثورة التي
قام بها. لم تكن
تستند إلى حزب
جماهيري، أو
تحالف واسع
ومنظم ناضل
من أجله. أو إلى
حركة ديمقراطية
تعمق قدراتها
على التطوير،
وتحميها من
زحف المعادين
لها، من الأجهزة
البيروقراطية
المتحكمة في
كل تفاصيل حياتنا.
أعتمد على حركة
نابعة من ضباط
الجيش كانت
تمزقهم التناقضات
بين روحهم الوطنية
وعجزهم عن استيعاب
أهمية دور الجماهير،
والأساليب
الديمقراطية
في إدارة شئون
البلاد.
هزمته،
وهزمتنا البورجوازية
الجديدة التي
نمت في أحضان
القطاع العام
وترعرت على
حسابه لتتحالف
مع بقايا الطبقات
التي حكمت في
العهود السابقة.
هزمه
وهزمته جمود
المجتمع، وجمود
المعسكر الاشتراكي
الذي لجأ إليه.
فظل توازن القوي
يتحرك في اتجاه
يحاصر كل من
حاول اختراق
معاقل القوي
العالمية والمحلية
السائدة.
إنها
صورة القائد،
أو العالم،
أو المبدع عندما
يجئ قبل أوانه.
كان قائدا هزمته
قوة المال. وقوة
السلطة المتأصلة
في بلادنا. أحبه
الشعب لكن لم
تتح له الفرصة
لكي يصبح فاعلا،
حكم بمنطق السلطة
والأجهزة،
تأصلت في تكوينه،
فلما أدرك ذلك
كان الوقت قد
تأخر.
رأيت
صورته على الشاشة
فلما رأيتها
هبطت مع الملايين
إلى الشوارع
حتى يستأنف
ما كان قد بدأه
ولأنني في هذه
اللحظة أحببته.