spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

Back to Dr. Hetata's main articles page

الأهالى 18 ديسمبر 1999

" سياتل": عولمة من أسفل؟"

 

الآن وبعد الفشل الذى أصاب مصالح الشركات العابرة للأوطان، والسياسات الأمريكية المعبرة عنها فى اجتماع منظمة التجارة العالمية المنعقدة فى مدينة "سياتل" فى نهاية الأسبوع الأول من شهر ديسمبر سنة 1999، بعد التحركات الشعبية القوية التى كانت هذه المدينة مسرحاً لها تبدلت النغمة المؤيدة، والمتفائلة التى سادت الصحف "القومية" وكتابات الاقتصاديين، والمفكرين "الاستراتيجيين" توالت على صفحاتها إزاء عملية العولمة، وأجهزتها الثلاث: منظمة التجارة العالمية، والبنك الدولى، ومنظمة النقد الدولية.

لكن يجب ألا نظن أن ما حدث يعنى أن الأمور ستسير منذ الآن لصالح الشعوب. فالرأسمالية العالمية المهيمنة، وأنصارها المقربون فى كل مكان سيعيدون النظر فى حساباتهم ، وفى خططهم للتغلب على العقبات التى واجهوها، أو للدوران من حولها حتى يتمكنوا مستقبلاً من تنفيذ السياسات التى فشلوا فى تحقيقها.

من الملفت للنظر أن اهتمام الذين علقوا على مادار فى الاجتماع كان منصباً بشكل أساسى على الصراع الذى قام بين البلاد الأوربية واليابان من ناحية، وبين الولايات المتحدة من ناحية أخرى، وعلى المقاومة التى أبدتها حكومات البلاد النامية أو الأقل نموا فى الجنوب، أى فى أفريقيا، وآسيا، وأمريكا اللاتينية ومن بينها "مصر والكاميرون والهند، وباكستان، وتايلاند، والبرازيل، والأرجنتين". ولا يمكن التقليل من أهمية هذه الصراعات، والتناقضات بين مصالح الدول فى عرقلة الهيمنة الكاملة التى تسعى إلى فرضها الولايات المتحدة على اقتصاد العالم لصالح الشركات العابرة للأوطان التى تسيطر عليها الرأسمالية الأمريكية. ومع ذلك يجب أن نرى فى أحداث "سياتل" شيئاً أكثر أهمية من ذلك لأنها تشير إلى إمكانيات للمقاومة منذ بداياتها الجنينية الأولى أن نرى تلك اليقظة الوليدة التى أخذت تنتشر بين الناس إلى درجات متفاوتة فى مختلف أنحاء العالم إزاء مخاطر العولمة، واستعدادهم المتزايد للتصدى لها بمختلف الوسائل. فأحداث "سياتل" لم تكن الأولى من نوعها بل سبقتها تحركات مماثلة أو قريبة منها خلال السنة الماضية.

لاشك أن التحرك الشعبى الواسع الذى حدث فى "سياتل" هو الذى دعم مواقف الحكومات التى لم تكن راضية عن التصرفات، والاقتراحات الأمريكية المتسلطة، وشد من أزرها فى الدفاع عن بعض مصالحها القومية ضد طغيان العولمة. والاعتماد على الفئات الحاكمة للدفاع عن مصالح الشعوب الوطنية، والديمقراطية محفوف بالمخاطر لأن هذه الفئات ضعيفة، ومترددة، ولها مصالحها المتميزة. لذلك هى على استعداد للتضحية بحقوق المواطنين والمواطنات فى بلادها حتى تجنى هى بعض المكاسب من التعاون مع الشركات العابرة للأوطان، ومع الأنظمة الرأسمالية الحاكمة فى أمريكا، وأوروبا، واليابان.

لذلك فإن المغزى الأساسى لما حدث فى مدينة "سياتل" هو هذه التظاهرة الشعبية الضخمة التى لم تكن متوقعة لأن وسائل الإعلام العالمية تحرمنا من معرفة الحقائق دائماً، ولا سيما من تلك التى تتعلق بالتحركات الشعبية التى تحدث فى مختلف بلاد العالم. إنها لم تقل لنا أن الاستعدادات الخاصة للحشد الجماهيرى الذى نظم فى مدينة "سياتل" بدأت قبل التاريخ المحدد لاجتماع منظمة التجارة العالمية، وهو الأسبوع الأول من شهر ديسمبر سنة 1999 بثمانية شهور.

هذه الحقيقة عرفتها من طالبة أمريكية اسمها "روسلين" التقيت بها فى جامعة "أطلانطا فلوريدا" بمدينة "بوكاراتون" الرائعة الجمال والتنسيق بمساحاتها الخضراء الشاسعة، وأشجارها الوارفة، ونخيلها. ببيوتها البيضاء الفاخرة، ومحيطها الأزرق، ومنتدياتها. مدينة السياحة والاستمتاع لأغنى الأغنياء فى أمريكا، والعالم. كنت فى جولة إلى عدد من جامعات أمريكا لإلقاء بعض المحاضرات انتهت إلى هذه الجامعة التى كانت نوال السعداوى تدرس فيها منذ ثلاثة شهور منهجاً من صنعها سمته "التمرد والإبداع". وكانت "روسلين" إحدى طالباتها تسعى لنيل درجة الدكتوراه فى قسم جديد يعد المثقفين للقيام بدورهم العام فى المجتمع فأوفدتها الجامعة هى وأحد زملائها يدعى "ماكس" إلى مدينة "سياتل" للمشاركة فى المظاهرات مع عشرات الآلاف من الشباب والشابات جاءوا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة وكندا، ومن القارات الأوروبية لينضموا إلى التحرك الشعبى لسكان هذه المدينة.

فلما عادت قدمت تقريراً إلى الفصل عن كل ما حدث هناك مستعينة بالصور، وشرائط الفيديو كاسيت. وذلك أثناء إحدى الحصص التى نظمتها نوال السعداوى لجزء من المنهج الذى قامت بتدريسه لطلبة، وطالبات الدكتوراه فى القسم.

وأنا أعرف مدينة "سياتل" جيداً. أقمت فيها لمدة ستة شهور عندما كنا ندرس للطلبة سوياً فى جامعة واشنجتون خلال سنة 1995 وهى من أجمل مدن الولايات المتحدة نحيط بها الجبال، والأنهر المتدفقة والشلالات . ولكن الأهم من ذلك هو أنها اشتهرت بأنها كانت فى السبعينات موطناً لحركة نقابية قوية ولحركة جماهيرية واسعة ضد حرب فيتنام، وللتضامن مع شعوب العالم الثالث ومن بينها شعب فلسطين، وبالجو الثقافى والفنى المتقدم الذى كان سائداً بين مثقفيها. لكنها دخلت بعدها فى سبات عميق دام ما يقرب من عشرين سنة لتستيقظ أخيراً أثناء تلك المظاهرة الضخمة ضد منظمة التجارة الدولية الأداة التنفيذية لسياسة التجارة الحرة، والسوق العالمى الجديد.

جلسنا حول المنضدة المستطيلة نستمع إلى التقربر الشيق والتفصيلى الذى قدمته لنا "روسلين": فتاه بيضاء البشرة، قصيرة القامة لا تلفت النظر فى شئ. تبدو باحثة عن الكلمات التى تعبر بها، لكن الحماس للحركة الشعبية التى شاركت فيها ولأهمية العمل الذى كانت جزءاً منه أضفى عليها شعلة جديدة، شحنة من السعادة، والثقة فى النفس. أصبح لها دور تعتز به فمنذ أن عادت أصبحت كالرسول الذى ينقل إلى الناس صورة حية لما جرى، وأملاً جديداً فى مستقبل حركة الاحتجاج على العولمة، وآثارها على آلاف الملايين من الناس.

شرحت لنا كيف أن منظمات المجتمع المدنى فى المدينة أعدت للمظاهرة بإقامة لجنة تنسيق فيما بينها سمتها "لجنة العمل الديموقراطى". فى هذه اللجنة احتفظت كل منظمة من المنظمات العديدة المشاركة فيها باستقلالها كاملاً، بحقها فى تحديد النشاط الذى ستقوم به، بالمسئولية التى ستتولاها فى المظاهرة. بالموقع الذى ستختاره لنفسها، والدور الخاص بها. فمنها من كان دورها تكوين فرق الموسيقى، والرقص، والغناء لتنضم إليها الجماهير المتظاهرة، أو تشكيل مواكب الورود، أو صنع الدمى الضخمة التى تسخر من رؤساء الدول، وأجهزتهم، أو ترمز إلى زاوية من زوايا العولمة، أو إعداد اللافتات والصور. كانت هناك تجمعات المعارضين لإفساد البيئة بكافة أشكاله، وأنواعه، والمنظمات النسائية المطالبة بحقوقهن، والشباب والطلبة من الجنسين، واتحادات الأطباء والممرضات، والعاملين فى الخدمات الصحية، ونقابات العمال، والمهندسين، والمدرسين، ومختلف المهن، والعاملين فى الميناء، والبلدية، وعلى السفن.

توزعت هذه التجمعات على المراكز المختلفة المنتظمة فى أنحاء المدينة وصلت إلى ما يقرب من أحد عشرة مركزا حتى يتم التجميع فى اليوم المحدد لبداية المظاهرة منذ الصباح الباكر، وانضم إلى هذه المظاهرة عشرات الآلاف من عمال النقابات جاءوا من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، وكذلك وفود كبيرة من كندا وبلاد أوروبا، وعلى الأخص من المزارعين الفرنسيين والبلجيكيين. كانت الكتلة العمالية الأساسية مكونة من عمال الحديد والصلب، وصناعات السيارات، والبنائين، وسائقى الشاحنات، وعمال الموانى. وقام العمال بمظاهرة مستقلة قبل أن يشاركوا فى المظاهرة الكبرى التى ضمت الجميع حتى وصل عددها إلى أكثر من خمسين ألف صنعوا موكباً مهيباً، وجميلاً بنظامه الدقيق، وألوانه المبهجة ووروده، ولافتاته، وأغانيه، وموسيقاه، وبالدمى الضخمة التى رفعت عالياً. بثراء الإبداع الشعبى الملهم، وأجوائه المرحة، وابتسامات الشباب والشابات المشرقة شكلوا الأغلبية الساحقة من المنضمين إليه.

كانت المظاهرة تتجمع، وتتفرق ثم تتجمع من جديد لتواجه هجمات البوليس المدرع، والغازات، والرصاص المطاطى بحركة من الكر والفر العنيد استمرت طوال مدة انعقاد المؤتمر دون أن يكل المشاركون والمشاركات فيها. كانت تجمع بين المواكب السائرة، وبين الجلوس فى الشوارع وعلى الأرصفة فى حركة من العصيان المدنى الذى أربك قوات الأمن وسد عليها منافذ التحرك. وكانت الحركة كلها تتسم بمرونة مدهشة، ومنظمة إلى أبعد حد نتيجة التدريبات المستمرة التى أعطيت لآلاف من المتطوعين، والمتطوعات فى مراكز "العمل الديمقراطى" طوال الشهور الثمانية التى سبقت موعد اجتماع منظمة التجارة العالمية فى "سياتل". وفى اليوم الأول حالت الجموع دون وصول المندوبين إلى قاعة الاجتماع مما أدى إلى إرجاء الجلسة الافتتاحية يوماً كاملاً.

كانت النواة القيادية الأساسية متمركزة فى إحدى الصالات الضخمة التى استطاع "مركز العمل الديمقراطى" التواجد فيها طوال مدة الإعداد للمظاهرة. وفى هذه الصالة تم التدريب على التظاهر والعصيان المدنى، والإسعافات الأولية، ومكافحة الشغب، وضمان الأمن، والنظام أثناء المظاهرة.

 

أسلوب جديد فى العمل السياسى

إن الأسلوب الديمقراطى اللامركزى الذى أتبع هو الذى يفسر قدرة "مركز العمل الديمقراطى" على تنظيم كل هذه التجمعات والتيارات المختلفة، والمتنافرة أحياناً فى عمل واحد ضخم. لم يكن هناك اعتماد على سلطة مركزية، على قرارات الأغلبية والأقلية، وإنما على الاختيار والإجماع، وحق تقرير نوع المساهمة ما أدى إلى جو من الحماس والمبادرة، والإبداع، وإلى تلاحم الصفوف رغم تنوع المصالح، والتيارات، والرؤى، إلى الالتفاف حول هدف واحد مشترك رغم اختلاف المصالح، والمنابع والآراء، هدف واحد هو الاحتجاج ضد هيمنة منظمة التجارة العالمية، والعولمة الرأسمالية على مصالح الشعوب، وضد امتصاص جهود آلاف الملايين من الرجال والنساء لصالح حفنة من الأغنياء، ضد حرية التجارة المزعومة ومع التجارة العادلة بين الشعوب. ضد الآلة النووية العسكرية لأمريكا تضرب بها الشعوب عندما تريد، ضد إفساد البيئة والطبيعة التى يعيش سكان الأرض فى كنفها ومع الفن، والحياة، والغناء، والموسيقى، وحقوق الإنسان فى كل مكان.

قامت الحركة الشعبية فى "سياتل" بعيداً عن الأحزاب لتثبت أن هناك عصراً جديداً ينفتح فيه الناس على التنظيمات الخاصة بها، والقادرة على حشد الناس لأنها تقدم لكل إنسان نوع القضية، ونوع النشاط الذى يريده، بداية من زرع شجرة، أو تنظيف حارة، حتى أعقد القضايا السياسية الدولية والمحلية. إنه درس سياسى يجب أن نعيه حتى نخرج من الروح الأحادية الجامدة، والمتسلطة التى تحكم العمل السياسى فى بلادنا فى اليمين، وفى الوسط، وفى اليسار.

أرى عينى "روسلين" الباحثتين تشتعلان بالنور ووجهتيها تصعد إليها الدم. وهى تحكى للمستمعين. أرى أملاً جديداً من تحت رماد السنين، وأسلوباً جديد فى العمل السياسى يتعامل مع البشر، مع الناس، مع العقل والأحساس. يرى فيهم قدرتهم على التفكير، والإبداع، والابتكار. يعطى للإنسان قيمة، ويغرس الثقة فى النفس بدلاً من "الهت" وتكسير المقاذيف باسم اللوائح، والتنظيم، والقيادات التى تدرك ما لا يدركه الآخرون. يضع أمله فى الإنسان ذلك الكائن العظيم الذى يحمل فى كيانه كنوزاً قادرة على اختراق الجدران المحيطة به رغم قهر السنين.

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism