spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

Back to Dr. Hetata's main articles page

أخبار الأدب11/1/2004

"مدينة روائي رحال"

 

أكتب هذه الشهادة وأنا جالس على شاطئ جزيرة "بيكس" عند الساحل الشمالي الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية. عندما أرفع رأسي عن الورق أري مياه المحيط الأطلسي ممتدا حتى الأفق، أزرق عميق، أو فضي البريق تحت الشمس الصاعدة.

تفصلني عن مدينتي "القاهرة" آلاف الأميال، فأنا هكذا، روائي رحال، قريب من مدينتي أحيانا، غريب عنها، مقهور منها عادة. ولدت في "لندن" وقضيت فيها جزءا من طفولتي. جئت إلى "القاهرة" لأقيم في بيت جدي "دوار" كبير في حي "الزمالك" أمام "نادي الجزيرة"، فيه حظيرة للخيول، وبناء يؤوي "الكاريتة" وآخر "للحنطور". جيراننا كانوا من الإقطاعيين مثل جدي: أسرة "لطف الله"، أسرة قبطية من أقاصي الصعيد يمتد قصرها وملحقاته من النادي حتى كوبري "أبي العلاء" القديم، أو الأمير "عمرو إبراهيم"، أو غيره من الأمراء.

كانت "قاهرتي" إذ ذاك هي هذا الحي فيه حديقة "الأندلس"، وخط مفرد للترام رقم 7 يصل حتى النادي لينقل "السفرجية"، والعاملين، والحديقة الكبيرة المحيطة "بالدوار"، والخيول، وسائق الحنطور الأحول "عم حسين"، وجدتي "عيشة بركات" علمتني أولي كلماتي العربية أنطقها "بلكنة" الإنجليز، وكوبري قصر النيل يحرسه الأسدان، وتجتازه "الكاريتات" والحناطير، وسبعة ملايين من سكان المدينة لا علاقة لي بهم، ولا أعرف عنهم شيئا.

رحلت إلى "روما" مع أسرتي لمدة سنتين. لما عدت دخلت مدرسة إرسالية إنجليزية كان التلاميذ، والتلميذات فيها ينتمون في أغلب الأحوال إلى الأقليات الأجنبية، يونانيون، إيطاليون، أرمن، يهود، روس "بيض"، لم يكن فيها سوي عدد قليل من المصريين، والسوريين، واللبنانيين، عندئذ اتسعت "قاهرتي" لتشمل "الفجالة" ثم "القبة" عندما انتقلت المدرسة إلى مبانيها الجديدة، وخط "مترو" "مصر الجديدة" كان ينتهي عند تقاطع شارع "عماد الدين" (محمد فريد) وفؤاد الأول (26 يوليو) فظلت "القاهرة" بالنسبة إلى هي حي "الزمالك"، وأماكن أخري محدودة ألقي عليها نظرة خاطفة وأنا سائر في الطريق، وعدد قليل من الناس كنت أتحدث معهم باللغة الإنجليزية.

عندما التحقت بكلية الطب لم يتغير هذا النمط كثيرا. علاقاتي ظلت محصورة في عدد محدود من الطلبة الموسرين نسبيا، وظلت لغتي هي الإنجليزية لأن الدراسة في الكلية كانت بهذه اللغة، كما أن نظام الكلية كان تجسيدا لنوع من "الإقطاع الطبي"، يسيطر عليه كبار الأساتذة تميز أغلبهم بالغرور العلمي الأجوف، وبظنهم أن إذلال صغار الأطباء المقيمين، والمرضي الفقراء جزء لا يتجزأ من "التعليم الطبي" الأمثل، المنفصل عن المجتمع، ومشاكله، بما فيها مشاكله الصحية، وجزء لا يتجزأ من وسائلهم في الحفاظ على امتيازاتهم، ومكاسبهم، ومكانتهم في السلم الاجتماعي.

طوال هذه المراحل لم تخرج "المدينة" في حياتي عن هذا النطاق الضيق إلا في الإحساس الذي تملكني بأنه خارج هذا النطاق لابد أنه توجد حياة أوسع من تلك التي كنت أعيش، وفي نوع من البحث عن معناها يدفعني إلى اختراقه، جاءني هذا القلق الوجودي من قراءاتي بالإنجليزية، والفرنسية، وعلى الأخص قراءة الروايات الكلاسيكية، والمعاصرة، ومن الاستماع إلى الموسيقي. هكذا في تكويني كإنسان ثم كروائي لعبت الثقافة "الأجنبية" دورا في سعيي إلى استكشاف "المدينة" خارج الأسوار التي كانت تحاصرني. يضاف إلى ذلك إحساسي "بالعزلة"، والحزن الذي كنت أعانيه بسبب بعض الظروف الأسرية.

 

الخروج إلى "المدينة"

في نهاية الحرب العالمية الثانية تصاعدت موجات النضال ضد الاستعمار، والحكام المتعاونين معه فانجذبت إليه، وأصبحت مشاركا نشطا في تحركات الطلبة، والعمال، والفئات الشعبية الأخري، والتي تجسدت في إضرابات‎، ومظاهرات انضم إليها مئات الآلاف من سكان "القاهرة" وغيرها من المدن، وبعد مرور سنة تقريبا أصبحت عضوا في منظمة يسارية كان إسمها "الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني" ترتبت على ذلك تطورات سريعة، وهامة بالنسبة إلى كسرت "العزلة" التي كانت تفصلني عن "المدينة"، عن أحيائها، وعن قطاعات من سكانها ما كان لي أن أختلط بهم من قبل. أصبحت أتحرك في أحياء مثل "بولاق" و"السيدة زينب"، و"مصر القديمة"، "وشبرا" و"الزاوية الحمراء"، و"قلعة الكبش"، وأختلط بسكانها. خطوت خطواتي الأولي نحو مجتمع "المدينة". صرت أتعرف على خصائصه، وتياراته، وتضاريسه، وعلى جزء من تاريخه. وترددت على أماكن، وعلى معالم مختلفة في "المدينة"، أدركت أهمية التخاطب، والتواصل مع الناس فأخذت أدرس اللغة العربية، وأركز على الكتب التي تتعلق بالثقافة العربية وتاريخها. واقترن بكل ذلك تطور في طريقة تفكيري، منهج بدأ يربط بين السياسة، والاقتصاد، والاجتماع والثقافة. ثم قادني الفكر الذي يسميه البعض "فكرا ماركسيا" إلى خطوات أخري مرتبطة به، ولكنها متطورة عنه، تعالج بعض الثغرات الهامة التي ظلت عالقة به.

في الوقت نفسه قادتني السياسة إلى السجن، وقادني السجن إلى معرفة معمقة بأجهزة القمع، والقهر. وهذه الأجهزة بأساليبها العقابية، والتعذيبية، والنفسية، والفكرية تشكل جزءا لا يتجزأ من "مدينتي القاهرة"، جزءا أساسيا من أجهزة الحكم المركزة فيها، من حياة ناسها، ومن حياة القائمين على شئونها، وعلاقاتهم بالمدينة، والساكنين فيها، فدون معرفتها، والاحتكاك بها، لا يمكن أن ندرك أو نفهم ما يحدث في "المدينة"، لماذا هي هكذا، لماذا يفعل الناس ما يفعلون، ولماذا يتصرفون بما يتصرفون؟ كما قادني السجن إلى "التعايش" مع فئات من "المدينة" تتسع باطراد هي الفئات التي نطلق عليها "المهمشين" أو نصفها "بالحثالة"، والتي أصبحت تشكل جزءا هاما، ومؤثرا في "المدينة".

لقد "خابرت" أجهزة القمع ومؤسساتها في "مدينتي" القاهرة منذ أن حكم "فاروق"، ومنذ أن كان يطلق على سجن مصر إسم تركي هو "قرة ميدان". الآن تم هدم هذا السجن واحتلت مكانه حديقة.

لكن قد يتساءل بعض "نقادنا" ما علاقة كل هذا بموضوع "الرواية والمدينة"؟ أعتقد أنهم قد يوافقونني على أن علاقة "الرواية بالمدينة" تتوقف على "زوايا" المدينة التي يلتقطها الروائي، ويكتب عنها. وأن هذه "الزوايا" هي إلى حد كبير انعكاس لحياته فيها، وتجاربه معها، فالرواية يمكن أن توصف بأنها "سيرة ذاتية مقنعة" أو "مستترة"، ومن هنا ينبع الصدق الكائن فيها، من هذا ينبع "الفن" لأن الروائي كلما أبتعد عن حياته انزلق إلى "التصنع"، إلى "الصنعة" أي إلى الافتعال. وفيما يتعلق بي أنا أصبحت، مع مرور السنين، عاشقا للصدق الفني، كارها للافتعال، للزخرفة اللغوية التي تسعي إلى إخفاء فقر الإحساس، أكره "بهلوينيات" الذين يكذبون، ويصنعون من الكتابة الروائية (أو الأدبية) كهنوتا ليصبحوا هم "كاردينالات" الأدب. أكرهه في غيري، وأكرهه في نفسي عندما ألجأ إليه لأنني عاجز عن النفاذ إلى القلب النابض للموضوع.

وتجربتي أنا "بالقاهرة" محدودة ببعض "الزوايا" التي عشتها، باحتكاكي بها، وبالتجارب التي خضتها فيها. لكن السؤال الذي طرحته على نفسي، وأنا اكتب هذه "الشهادة" هو: "ألا يتأثر فهمي لهذه "الزوايا" وتناولي لها "بالوعي"؟ ألا تتأثر طريقة الروائي في تناول المكان بقدرته على الربط بين المظاهر، والمجالات، على التعمق فيما يكتبه، على الجهد المبذول للوصول إلى أغوار هذه "الزوايا"، أو "الأماكن"، ورؤيتها في علاقاتها بما حولها، بما يؤثر فيها ويصنعها على النحو الذي أصبحت عليه.. على رؤية "المكان" في ارتباطه بالزمن؟ فالمكان ليس له وجود خارج الزمن أي بمعني آخر هل المسألة تقتصر على وصف الأمكنة، أم أن المهم هي الوظيفة التي يؤديها المكان، هي "الإضاءة"، والفهم اللذان يضيفهما "المكان" في الرواية؟

فكثيرا ما أقرأ في الروايات التي تتم أحداثها في القاهرة تناولا "للمكان" لا يضيف إلى شيئا، مجرد تكرار "لزوايا" معينة تتغير فيها الأسماء، أو الأحداث لكن تتركني دون معرفة جديدة للمكان، "للقاهرة"، دون إحساس أعمق بها.. فالتوسع في التفاصيل، في "المسطح" يجب ألا يكون الهدف، ولكن أساسا مدي الحفر في الأعماق حتي لو كان هذا "المسطح" محدودا.

 

عن الترحال

يقال أن العين الغربية تري أحيانا ما لا يراه أهل البلد فعندما "ننغمس" في مكان واحد قد تفقدنا العادة ما كان يجب أن نتنبه له. المقارنة بين الأماكن، بين "المدن" تبرز الخصائص والظلال، تجعلها تتضح. وهي تساعدنا على أدراك نسبية الأشياء التي نراها أمامنا، تضعها في حجمها الملائم. لذلك تأثرت رؤيتي للمكان، لمدينتي "القاهرة"، بترحالي المستمر الذي يكاد لا ينقطع، أصبحت أراها في ضوء المدن الكثيرة التي عشت فيها. أصبحت أري ناسها، وأحياءها، ميزاتها، وعيوبها بعيون نظراتها هادئة، لم تعد محط اهتمامي الوحيد لا أخرج عن نطاقها. فالعالم واسع، والبشرية أوسع، أدركت أن الإبداع ممكن في كل مكان، أنه بالنسبة إلى ليس مرتبطا بها وحدها بحياتي في "القاهرة" فقط، أدركت أن العالم أصبح مترابطا أكثر من أي وقت مضي، وأن "القاهرة" نتاج للمحلي، وللعالمي، وليس للمحلي وحده، أو لنوع من العالمية الطاغية.

لذلك في روايتي تناولت علاقتها المتغيرة بهذا العالم. أقدر دور التاريخ، والتراث، لكن لا أريد أن أهرب فيهما من الواقع الذي نعيشه، تفاديا لاضطهاد محتمل. لا أريد أن أمجد "القاهرة" باسم الوطنية، ولا أن أكتب فقط عن مقاهيها، وحواريها، وأزقتها، ومواخيرها، ونسائها اللاتي يظهرن كعوبهن من تحت أثوابهن، أو يهززن أردافهن برعشة موحية باسم شعبية مزيفة تمجد ما هو موجود كأنه تراثنا الذي لا يتبدل. أريد أن أراها متحركة، متطورة، متصارعة، متخاذلة، مرتبطة بعالم يموج بأخطر وربما أهم مراحل تاريخه. أريد أن أراها بعين العصر لأنها رغم كل شيء، ورغم الترحال ظلت "مدينتي".

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism