18/6/2003
يجب أن تكون
أحلامنا كبيرة
أمشى
فى شوارع "بورتو
اليجرى". أخترق
المساحات الخضراء
تتخلل المدينة
فى كل مكان . تمتد
عشرات الكيلومترات
إلى جوار نهر
" جاكوى" تندفع
مياهه قوية
حمراء فى الدلتا
العريضة . تذكرنى
بمياه النيل
فى سنين الشباب
. كنت
أراها من شرفات
مستشفى "فؤاد
الأول" (قصر
العينى). عينت
نائباً مقيماً
فيها بعد التخرج
من كلية الطب
. تعود إلىّ. أجسام
المرضى النحيلة ، يختلط
اليأس بالأمل
فى عيونهم عندما
ينظرون إلى.
لكن هنا الأمل
يطل فى كل العيون،
فى كل الكلمات.
وقوداً للرؤية،
ودافعاً للخيال.
يشحذ الفكر،
ويصنع المعجزات.
يجعل الإنسان
قادراً على
تجاوز الهزيمة، وعذابات
الحياة. على
مواجهة الطغاة يحكمون
بالسجون، والبوليس.
بالأكاذيب
اليومية فى
شاشات التليفزيون،
وصحف
الصباح.
الأمل هو الشعاع
الذى التقطته فى"بوتو
اليجرى". جعل
"فرجينيا فارجاس"
البرازيلية
تقول: "يجب أن
تكون أحلامنا
كبيرة . كفانا
أحلاماً صغيرة
. كفانا "البرجماتية" التى
أغرقتنا فيها
الأحزاب. فلنثق
فى قدرة الشعوب
إذا لجأنا إليها
. ولتنبثق " اليوتوبيا"
فى حياتنا من
جديد بعد أن ظلت محطاً
للسخرية منذ
سنين.
لكن التفاؤل
والأمل الذين
سادا
فى "المنتدى
الاجتماعى
العالمى
لسنه 2003" فى أنشطته
العديدة، والمتنوعة
لم يحولا دون
أن يتم نقاش
جاد، وعميق
حول العيوب،
والثغرات التى
بدأت تتضح رغم
ما تحقق من نجاحات
خلال السنوات
الثلاث الماضية
والتى تجسدت فى تكوين
حركة للمجتمع
المدنى لم تكن
بهذه القوة، أو
بهذا الاتساع
فى أى وقت مضى. لقد
انبعث الجيل
الأول لمنظمات
القطاع المدنى
خلال الستينات
والسبعينات
من القرن الماضى
فى مصر. شهدنا
مظاهرات يناير
سنه 1977 التى أطلق
عليها "السادات"
"انتفاضة الحرامية" والتى
كانت أول تحرك
شعبى واسع ضد
سياسات الرأسمالية
الليبرالية
الجديدة، وهى
مظاهرات تمت
بعيداً عن الأحزاب. كما
شهد عديد من
بلاد العالم
مظاهرات، وتحركات
مختلفة شاركت فيها
تيارات يسارية
شبابية جديدة.
ارتبط
الجيل الأول
لمنظمات القطاع
المدنى بهذه الفترة
أو بالسنين
التى جاءت بعدها. اتخذت
شكل المنظمات
غير الحكومية
التى يتعلق نشاطها
بحقوق الإنسان،
أو قضايا المرأة، أو
مشاكل السكان،
أوالبيئة.
لكن الآن،
وفى كثير من
البلدان تم
تجاوز هذه الحركات
الخاصة بالقطاع
المدنى. تحولت
إلى إشراك
وتعبئة للجماهير
واسعة النطاق.
وتعود هذه الظاهرة
إلى جهود جيل
جديد من
النشطين ظهر
إلى الوجود
خلال المعارضة
المتزايدة
للعولمة الرأسمالية
النيوليبرالية.
التقى هذان
الجيلان الآن،
وهما يعملان
سوياً على بلورة
أنشطة مشتركة
قائمة على قيم
مشتركة تتصل
بالعدالة الاجتماعية،
والمشاركة
الديمقراطية
المبنية على
المساواة،
وعلى التضامن
فى مواجهة هجوم
الرأسمالية
النيوليبرالية
على مصالح الشعوب.
وتعود التعبيرات
المتنوعة للقطاع
المدنى غالباً إلى
أزمة المصداقية
العميقة التى
نشأت مع الأيام
حول أساليب
التمثيل السياسى.
حول الأحزاب،
والمؤسسات
السياسية،
وحول السياسة
كما تمارس فى
مختلف البلاد.
إن إحدى
المشاكل التى
لم يستطع المنتدى
الاجتماعى
العالمى إيجاد
الحلول المناسبة
لها هى هذه الهوة
القائمة بين
الأحزاب والمؤسسات
السياسية وبين
منظمات القطاع
المدنى.
ربما يكون السبب
هو غياب الحوار
بينهم. هذا الغياب
يشكل عقبة مهمة
فى الممارسة
الديمقراطية. عقبة
لابد من التصدى
لها فى الصراع
الدائر لإيجاد
نظم ديمقراطية
حقيقية فى العالم.
فالمجتمع المدنى
ليس دوره أن يحل
محل الأحزاب
السياسية ،
ولا يستطيع
أن يفعل ذلك،
لكن عليه أن
يدفع هذه الأحزاب،
أن يدفع المؤسسات
السياسية المختلفة
فى الاتجاه
الذى أخذت منظمات
القطاع المدنى
تفتحه أمامنا،
طريق التمثيل
الديمقراطى
الحر لكل رآى،
ولكل اتجاه
فى الفكر، والعمل.
فمنظمات القطاع
المدنى ليست
معنية بالوصول
إلى السلطة،
أو ممارستها،
قدر ماهى معنية بالتاثير
عليها، أى على
مؤسساتها،
وآلياتها بحيث
تمارس أسلوب
المشاركة الديمقراطية
الواسعة. وإذا
لم يحدث هذا
التقارب وهذا
الحوار بين
القطاع المدنى
وبين الأحزاب
والمؤسسات
السياسية ستظل
السلطات العامة
فى المجتمع
بين أيدى القوة
المتسلطة القديمة
التى عفى عليها
الزمن، والتى
ليست لديها
لا القدرة،
ولا الرغبة
فى أن تفتح
الباب أمام
قوة جديدة فى
المجتمع أو
تساعد على انبعاثها.
يوم
25 يناير عندما
ألقيت
كلمتى عن "الأصولية
والتعصب" فى
صالة "جيجانتينو"
أشرت إلى هذا
الموضوع. ذلك
أن حياتى فى
السياسة جعلتنى
أتساءل كثيراً
حول سلامة الأساليب
التى كانت تتبع
ومازالت تتبع
إلى حد كبير
فى مختلف الهيئات
والمؤسسات
السياسية. وهى
تساؤلات أصبحت
تطرح على
نحو يزداد إلحاحاً. فقد
ارتفعت أصوات
عديدة أثناء
"المنتدى"
محذرة
من تغلغل قوة
سياسية إليه،
قوة سياسية
تعودت الأساليب
الحزبية القديمة
قبل
أن تنتقل إلى
هذا المجال
الجديد. إنها
قوة تجند الاتجاهات
"الإصلاحية"
وتسعى
إلى أن تصبح
ممثلة فى المنظمات
الدولية كالبنك
الدولى. ومنظمة
التجارة العالمية،
وغيرها. كما
تسعى إلى فرض
قيادتها على
حركات القطاع
المدنى وعلى
الأخص فى بلاد
الجنوب باسم
مساعدة من لا
خبرة لهم. والى
العمل فى إطار "المنتدى
الاجتماعى"
أو بالتعاون
معه. هذه الاتجاهات
تأتى أساساً
من بعض المنظمات
المدنية فى
أوروبا مثل
"أتاك"، وهى
منظمة كان هدفها
عندما أنشئت
فرض ضريبة على
المعاملات
المالية الدولية
تستخدم حصيلتها
لصالح المواطنين،
والمواطنات،
ثم تفرعت أنشطتها.
وأتذكر أن أحد
مندوبيها حضر
إلى القاهرة
فى السنة الماضية
وتحدث فى إجتماع
منظمة "المجموعة
المصرية المناهضة
للعولمة"، فظل
يتكلم لمدة
تزيد عن ساعة
ونصف ونحن جالسين
نستمع إليه
كأنه أستاذ
جاء يعلمنا
بدلاً من أن يستمع
إلى تجربتنا
الناشئة التى
كانت تخطو أول
خطواتها على
الطريق.
فى كلمتى حكيت
هذه القصة دون
ذكر أسماء، وتساءلت
عن العلاقة
بين الاتجاهات
"الإصلاحية"
والتيارات
الأكثر
ثورية والمرتبطة
بالجماهير
الفقيرة فى
البرازيل وغيرها
من البلاد. كيف
يمكن أن يتقاربوا،
أن ينسقوا
نشاطهم، وأن
يوزعوا الأدوار
فيما بينهم
لصالح مستقبل
الحركة المناهضة
للعولمة النيوليبرالية. وهذا
التخوف من سيطرة الأساليب
الحزبية القديمة
وعقليتها
تفسر لماذا
وقفت امرأة
من "البرازيل" فى آخر
الاجتماع الذى
حضره ما يقرب
من عشرة آلاف
شخص وتساءلت
لماذا يذهب
"لولا" إلى اجتماع
القمة الرأسمالية
فى "دافوس".
كان من الملاحظ
أيضاً غياب
الشباب والشابات
والنساء من
بين من تم اختيارهم
للتحدث فى الندوات،
والاجتماعات
التى عقدت فىإطار
المنتدى بينما
كانوا يشكلون
الأغلبية الساحقة
فى هذه الأنشطة
وفى المظاهرات
التى طافت شوارع
"بورتو اليجرى"
ضد الإمبريالية
الأمريكية
والحرب بينما وجودهم
بأعداد كبيرة
كان علامة النجاح
الذى
حققه "المنتدى"
ومبعث الأمل
الذى شعرنا
به، فهم
قوة المستقبل
بدون مالا تراه
الأجيال
السابقة عليهم.
كذلك المرأة،
لم يكن
دورها بارزاً
فى "المنتدى"
رغم أن النساء
كن يشكلن الأغلبية
بين الجماهير
التى حضرت "المنتدى"
ورغم أنهن هدف
أساسى لاستغلال
النيوليبرالية،
ولاضطهاد
الأصولية،
ولا يمكن إقامة
حركة فعالة
مناهضة للدولة
الرأسمالية
بدونها. فهى قوة
دافعه مهمة
للقضاء على
سيطرة النظام
الأبوى الطبقى
السائد فى النظم
الاجتماعية
على نطاق العالم.
* * *
المنتدى الاجتماعى
"العالمى"
فى "بورتو اليجرى"
والمنتديات
الاجتماعية
الأقليمية
لها أهمية كبيرة
لأنها تفتح
ميادين واسعة
للحوار وتبادل
الرأى، لتطوير
الفكر السياسى
والاجتماعى،
ووسائل تعبئة
الناس فى معارك
لتدعيم الديموقراطية
حتى يصبح بناء
عالم جديد ممكناً.
مازال هناك
طريق طويل لابد
من اجتيازة
بين الوضع الحالى،
وبين تحقيق
قدرة هذه الحركة
على النفاذ
إلى مؤسسات
الحياة السياسية
لتطويرها. ذلك
أن منظمات القطاع
المدنى تفتقد
إلى حد كبير
المضامين السياسية
التى يجب إضفاؤها
على نشاطها
بحيث يصبح أكثر
فعالية وقدرة
على تغيير الأوضاع.
كما تفتقد الخبرة
السياسية التى
لابد لها من
اكتسابها.
نوجد
فى "المنتدى
الاجتماعى
العالمى" ثلاثة
اتجاهات رئيسية . اتجاه
يركز على إدانة العولمة
النيوليبرالية.
واتجاه ثان
يسعى إلى التعبير
عن الأفكار
المختلفة حول
أوضاع وقضايا
العالم ، ووسائل
تداولها ، واتجاه
ثالث يريد أن
يصل إلى مقترحات
محددة خاصة
بالأنظمة ، والأهداف البديلة التى يمكن
أن تحل محل الأنظمة والأهداف السائدة
حالياً.
كان
الاتجاه الثالث
أساساً هو محور
للمناقشات
الواسعة التى
دارت فى ندوات
واجتماعات
المنتدى حيث
رأى عدد كبير
من المشاركين
والمشاركات
فى"المنتدى"
أنه يجب إعطاء
أهمية أكبر
لمشكلة "الكيف"
مما أعطى لها
حتى الآن . فالنجاح
فى إشراك
مائة ألف من
الرجال ، والنساء ، فى
مداولات ، وأنشطة
"المنتدى"
كان إنجازاً
عظيماً، لكن
كان ينبغى إلى
جانب ذلك إيجاد
مجالات أقل
اتساعا ً، وآليات
أكثر سهولة
تمكن هذه الحركة
من رسم الأهداف
البعيدة للمنتدى ، ووسائل
تحقيقها . هذا
إلى جانب الأهداف
الآنية والجزئية
التى تم التركيز
على دراستها ، ومناقشتها
حتى الآن . بمعنى
آخر على "المنتدى
الاجتماعى
العالمى" أن
يكون قادراً
على تقديم مقترحات
محددة للتغيير . ذلك
أن عدد السينمارات
والاجتماعات ، وورش
العمل فى المنتدى
وصل إلى 1710 مما
حال دون أن يخرج
من كل هذا النشاط
المتعدد ، والواسع
بشكل لم يسبق
له مثيل فى أى
تجمع سابق بنوع
من الفهم الجماعى ، والوعى
المشترك ، والأهداف
المتفق عليها
التى يمكن نشرها
على المنتديات
الأخرى، وعلى
الناس فى كل
مكان بهدف تعبئة
أوسع جهود جماهيرية
ممكنة حولها.
وفى هذا السياق
لوحظ أن "المنتدى
الاجتماعى
الآسيوى"
الذى حضره 14.400 من المشاركين ، والمشاركات
ظلت أفكاره،
ومداولاته
محصورة فى الذين
حضروه ، ولم
يتم نقلها إلى
الآخرين. ومعنى
هذا أن المنتديات
الاجتماعية
مازالت تعانى
قدراً كبيراً
من العزلة عن
الناس.
إن المناسبات
التى تخرج فيها
"المنتديات"
عن هذا الحصار
هى تلك المتعلقة بالمشاركة
فى المظاهرات
المناهضة للعولمة ، والحرب ، والتى
تنضم إليها
جماهير عريضة
خارج إطارها.
لكن المظاهرات
هى أحداث متفرقة ، لا
تتسم بطابع
متصل يؤدى إلى
تراكم فى التعبئة . لذلك
لم تؤد حتى الآن
إلى تغيير فى
سياسات البنك
الدولى، أو
منظمة التجارة
العالمية، فى سياسات
الشركات العابرة
للأوطان أو
فى الأنظمة
التى تحكم سواءً
فى بلاد الشمال
أو الجنوب،
بل تزداد الأحوال
السياسية،
والاقتصادية
، والاجتماعية
للشعوب سوءاً
يوما بعد يوم.
إن التوسع
فى إشراك كل
التيارات والمجالات
لاشك يمثل تراث ، وإبداع
"المنتدى الاجتماعى
العالمى" ، ويختلف
تماماً عن أساليب
التضييق التى
تهواها الأحزاب.
والذين ينشطون
فى إطاره يبذلون
جهدا جبارا لجذب
جميع الاتجاهات
والآراء الفردية ، والجماعية . لكن
تجمع أعداد
ضخمة من الناس
فى مكان واحد
ليس كافياً
فى ذاته لابد من
أن يحدث تطور
فى المعرفة ، وفى
الوعى ، وتطور
فى آليات التعبئة
والعمل . لذلك
فإن المنتديات
الإقليمية
، والمحلية
تكتسب أهمية
متزايدة فى كل يوم
. وهى ستحدد خلال
السنة الحالية
والسنوات القادمة
.
لقد
حضر إلى "المنتدى
العالمى الاجتماعى"
لسنه 2003 مشاركين
ومشاركات من
121 بلداً ، ومن 4962 منظمة
فى القطاع المدنى.
وتم تسجيل 29.704
مندوب ، ومندوبة
عن هذه المنظمات . عقد
1710 سيمينار،
واجتماع ، وندوة
، وورشة عمل
. تجمع مائة
ألف من الرجال
والنساء فى
الأماكن
الست التى خصصت
للمنتدى ، وأكثر
من هذا العدد
فى المظاهرة
الختامية
. تم كل هذا فى
جو مرح خالى
من أى توتر وسط
وجوه مشرقة
تضحك ، وتبتسم
. كانت كل المشاكل
تحل بيسر، وسهولة ، وبذوق
فيه حساسية . إنجاز
شعبى عظيم ذلك
الذى شهدناه
طوال الآيام
الست "للمنتدى".
* * *
أثناء
"المنتدى" تم تنظيم عدد
من الاجتماعات
والندوات الخاصة
دعيت إليها
شخصيات معروفة
. عقدت كلها فى
صالة اسمها
"جيجانتينو"
تعنى بالبرتغالية
"العملاق الصغير".
صالة
ضخمة تشبه الاستاد المغلق
تتوسط المنتز