spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title

Back to Dr. Hetata's main articles page

29/7/2003

حول الإبداع وفلسفة التعليم

فى ذلك اليوم هبطت فى الصباح الباكر من شقتنا فى "سبرنج ستريت" (أى شارع الربيع) بمدينة "بورتلاند" . طبقات الثلج تمتد فوق الأرض مثل القطن الأبيض، والصقيع يخترق الملابس الصوفية السميكة التى لففتها حول جسمى . سرت فى الشوارع مستعينا بخريطة للمدينة أرسلتها الى إدارة الجامعة مع الأوراق الأخرى . الشوارع تكاد تكون خالية من الناس ، والسيارات في هذا الوقت المبكر فيما عدا أطفال المدارس ألمح وجوههم الصغيرة الموردة تطل من أغطية الرأس الصوفية الملونة . عند تقاطع الشوارع يقف رجال يحملون في أيديهم لوحات معدنية لإيقاف السيارات كلما اجتاز طفل أو مجموعة من الأطفال أحد الشوارع .

اجتزت غابة صغيرة . الأشجار ترفع أغصانها السوداء العارية إلى السماء ، وطيور النورس تدور حولها صارخة . فمدينة "بورتلاند" تقع على شاطئ المحيط الأطلسي في أقصي شمال الولايات المتحدة . جئت إليها لأقوم بالتدريس في جامعة "ساثرن ماين" . ورغم الثلوج والبرد القارس قررت أن أذهب إلي مكتبي سيراً على قدمي حفاظاً علي عادة التريض التي لم أتوقف عن ممارستها طوال السنوات .

وصلت إلي مبني "لوثر بوني" حيث يوجد مكتبي بعد خمسة وأربعين دقيقة . دفعت الباب الخارجي. وجدت نفسي في صالة ضخمة مزدحمة بالطلبة ، والطالبات يثرثرون في مجموعات ، أو يجلسون على موائد تصطف على جانب ليقرأوا في كتاب أو يتناولوا قدحاً من القهوة ، وفطيرة للإفطار .

خرجت من المصعد عند الطابق الثالث لأجد باب مكتبي المرقم 325 أمامي . دخلت ملقياً نظرة سريعة حول الحجرة الفسيحة المريحة باتساعها ، وأثاثها البسيط . خلعت السترة ، والملابس الصوفية بسرعة ، وجمعت بعض الأوراق قبل أن أهبط إلي القاعة رقم 208 .

حول المنضدة المربعة الممتدة قرب الجدران كانوا يجلسون . خمسة عشرة من الطلبة ، والطالبات . اخترت مقعداً خالياً إلي جوار الصبورة ، وأسفل شاشة العرض السينمائى المعلقة قرب السقف . جلست ثم درت بنظراتي علي الوجوه . تطلعت إلي عيونها تفحصني في صمت . قلت :"صباح الخير" . أريد أن نبدأ بالتعرف علي بعض . فأرجو من كل منكم أن يذكر إسمه ، وسنه ، ومجال الدراسة الذي اختاره لنفسه ، والأسباب التي من أجلها قرر أن يلتحق بالمنهج الذي سأقوم بتدريسه تحت إسم "تكسير الحواجز".

هكذا بدأت الحصة الأولي التي أجاب فيها كل من الطلبة ، والطالبات علي الأسئلة التي طرحتها عليهم . اكتفيت فيها بالاستماع إليهم ، والتدخل بالتشجيع كلما لاحظت عند بعضهم قدراً من الخجل دفعهم إلي الصمت . وهكذا بدأت مرحلة جديدة من الاستكشاف في التجربة التي خضتها في جامعة "ديوك" الأمريكية منذ سنوات ست .

 

التعليم في حاجة إلي فلسفة جديدة

"من علمني حرفا صرت له عبدا"0 هذه مقولة كانت شائعة أيام أن كنت تلميذاً في المدرسة، ثم طالباً في الجامعة أي منذ أكثر من ستين سنة . ربما لم يعد أحد يرددها الآن0 مع ذلك مازالت الفلسفة العبودية هي السائدة في جميع نظم التعليم ، وفي جميع البلاد . فهي في رأيي لا تصنع رجالاً ، ونساءً أحراراً ، وإنما عقليات لا تملك القدرة علي التفكير المستقل ، والإبداع ولا تهبهم تلك الثقة في النفس التي تجعل الإنسان يؤمن بأنه يستطيع أن يكون ، بل هو بالفعل ، منبع للمعرفة بحكم تجاربه . إنها تغرس الاعتقاد بأن المعرفة تأتي إلينا من غيرنا ، ولا نستطيع أن نضيف إليها، أو نطورها ، أو نبين الخطأ الذي قد تحمله . إن علينا أن نقبلها ، ونستوعبها كما هي لنصبح من عداد المتعلمين ، أو المثقفين .

فالمجتمع منقسم إلي أقلية حاكمة تملك المال ، والسلطة ، والسلاح ، وإلي أغلبية مطلوب منها الخضوع والطاعة ولكى تستمر هذه الأقلية متربعة على قمة الهرم ، ويظل النظام الذي هو في صالحها قائماً دون تغيير، فإن هذه الأقلية الحاكمة في حاجة إلي تشكيل عقول الناس ، وعلي الأخص عقول الشباب من الجنسين بحيث يقبلون الأوضاع كما هي ، أو علي الأقل بحيث تنقصهم المعرفة التي لا غني عنها لكي يتمكنوا من تغييرها ، وليحققوا حلم الإنسان الأبدي في أن يعيش حياة تسودها الحرية ، والعدالة 0

ففي ظل الأوضاع السائدة في العالم ، وفي بلادنا مطلوب منهم أن يظلوا خاضعين للظلم، والقهر، وعدم المساواة ، ولمختلف أنواع التفرقة المبنية علي الطبقة ، أو الجنس ، أو الدين ، أو العرق0

عندما عملت لمدة ثماني سنوات في منظمة العمل الدولية ، ثم كأستاذ زائر في بعض الجامعات ، سمحت لي الظروف بأن أطلع علي نظم التعليم في عدد من البلاد . في الوقت نفسه بدأت أستعيد تجربتي كتلميذ في المدرسة ، وكطالب في الجامعة فأدركت أن جميع هذه النظم في جوهرها لا تتجه إلي تكوين إنسان له عقل مبدع، وناقد، ومستقل 0 وهذا في ظل مجتمعاتنا أمر طبيعي0 فالتعليم إذا قام علي فلسفة تؤدي إلي تكوين عقول واثقة في قدراتها ، تمارس تفكيراً مستقلاً ، عقول قادرة علي صنع المعرفة ، علي النقد وعلي الإبداع ، فإن سيطرة الأقلية المدججة بالمال والسلاح ، والمسيطرة علي التعليم ، وعلى وسائل إعلامنا مآلها حتى وأن طال الزمن قليلاً هو الزوال0

هذا هو حالنا منذ المجتمع العبودى ، منذ أن انقسم المجتمع إلي طبقات ، إلي أقلية تملك ، وأغلبية لا تملك وتفنى عمرها بحثاً عن لقمة العيش ، منذ الحضارات الأولي التي نشأت في مصر، واليونان ، والهند ، والصين ، والمكسيك ، والعراق ، منذ أن سادت الفلسفة العبودية في المجتمعات . لذلك كان القطاف من شجرة المعرفة إثماً أدي إلي طرد آدم وحواء من جنة الإله ليثبت بذلك أن الأساطير القديمة تشير إلي حقائق يجب أن ندرك عمق معناها0

وفى عصرنا "الحديث" أو "ما بعد الحديث" تمارس الطبقات الحاكمة سيطرتها علي العقول عن طريق التربية في الأسرة ، والتعليم ، والإعلام ، والمؤسسات الدينية0

ليس قصدي من هذا الكلام أن هناك مؤامرة مدبرة بواسطة الأقليات التي تحكم في العالم وفي كل البلاد . لكن معناه أن أي نظام لابد أن تكون له فلسفته وآلياته التي تبقي عليه وتضمن استمراره . فالمجتمعات ، والمؤسسات جميعاً بطبيعتها تسعي إلي الحفاظ علي نفسها . هذه هي طبيعة الأشياء طبيعة النظام الطبقي الأبوي الذي يسود في عالمنا . لابد أن يفرز فلسفة عبودية في كافة المجالات بما فيها التعليم . وهي فلسفة لا يمكن أن تؤدي إلي صنع مبدعين أحرار. الأحرار المبدعون دائماً أقلية خارجة عن القاعدة ، ثائرة ، ومتمردة ، تكسر أطر التعليم الرسمي الذي تلقته في الأسرة ، أو المدرسة ، أو الجامعة ، أو في بيوت العبادة التي يشرف عليها رجال نصبوا أنفسهم مفسرين لكلام الله .

التعليم حتى اليوم ، وعلي الأخص في البلاد الرأسمالية المتقدمة صناعياً تهتم بصنع المهارات ، بالتخصصات ، بالعلوم ، بالمعارف التي يحتاج إليها المجتمع ، لأن في غيبة هذه المهارات سيعجز المجتمع عن الاستمرار ، سيعجز عن تحقيق التطور الذي تريده الأقلية صاحبة السلطة والمال . لكن التعليم لا يسعى أبداً إلي صنع عقول قادرة علي تغيير الأسس الظالمة ، التي ما زالت تقوم عليه كل المجتمعات0

 

كسر الحواجز

عندما دعيت للتدريس في جامعة "سوثرن ماين" قادني هذا التفكير إلي خوض تجربة مختلفة في منهج وأسلوب التعليم لا أدعي أنها الأولي من نوعها ، فلا شك أن هناك محاولات تسير في ذات الاتجاه0 أيا كانت مميزات وعيوب هذه التجربة فقد كانت نتاج حوار طويل ، دار بيني وبين نوال السعداوى طوال السنوات ، ونتاج القراءات وتجارب الحياة 0

هذا المنهج سميته "كسر الحواجز" . ونظام التعليم الجامعي في الولايات المتحدة الأمريكية يتمتع بميزات، منها الحرية التي تعطي للأستاذ ، وعلي الأخص للأستاذ الزائر في تصميم المنهج الذي يريد تدريسه دون أي تدخل من رئيس القسم أو غيره فالمسئولون القائمون علي التعليم الجامعي يعتقدون أن تعرض الطلبة والطالبات لمختلف المعارف والخبرات وبالذات تلك الآتية من خارج البلاد يمكن أن تصنع نخبة من المتعلمين أقدر علي تسيير شئون المجتمع في كافة المجالات . وربما أيضاً نظرا لأن الرأسمالية النيوليبرالية في الولايات المتحدة حتى الآن ما زالت سيطرتها قوية لا تخشى من أثر الأفكار المختلفة بل علي العكس تبحث عن وسائل لاستيعاب التجارب الجديدة والاستفادة منها0

 

ورشة فكر جماعي

كانت لي حصتان في الأسبوع كل منهما تمتد لمدة ساعة . كنت أجلس بين الطلبة والطالبات كواحد منهم0 أحياناً أقوم ، أو يقوم أحدهم للكتابة علي الصبورة ، وأحياناً يعرض فيلم فيديو يدور بعده نقاش0 لكن من لحظة دخولي إلي الفصل إلي لحظة خروجي منه كان يدور حوار نشارك فيه جميعاً دون استثناء . في بعض الحصص كنت أترك الحوار ليدور بينهم وأظل صامتاً مشغولاً بتسجيل بعض النقاط التي أري أهمية لإثارتها فيما بعد0 ولكن في كل الأوقات ما عدا في مناسبات نادرة ظل دوري هو المشاركة وليس التدريس0 قد أسال أسئلة ليفكروا فيها أو أعرض فكرة تساعد علي تطوير النقاش ، كنى كنت أحرص دائماً علي أن أتكلم باختصار وأن يدفعهم كلامي إلي التساؤل ، أو الى قدر أكبر من العمق في القضية المثارة 0 ظل التساؤل دائماً هو سيد الموقف . كنت ابتعد عن إملاء المعلومات أو فرض آرائي كأستاذ0

كنت أسعى إلي أن تكون النتائج التي نصل إليها نابعة من تفكيرهم وحوارهم المشترك. أدفعهم إلي التساؤل حول كل شئ دون أن يتملكهم الحرج أو الخوف مهما كانت حساسية الموضوع ، إلي تحطم التحيزات والأفكار المسبقة وفحص كل المعلومات والآراء بعقل ناقد0 دوري كان مساعدتهم علي تأصيل المعارف وعلي تتبع جذورها ، وأسبابها وتاريخها0 كيف نشأت ، وكيف تطورت0 أن أعينهم علي أن يكتشفوا بأنفسهم أن لكل ظاهرة جوانب مختلفة ، أن هناك صلة بين الاقتصاد ، والسياسة ، بين الاجتماع، والفلسفة ، والثقافة ، وعلم النفس ، والجنس والدين0 بين الفن والعلم0 إن المعرفة الكلية هي المعرفة الحقيقية تساعد علي ربط الجزء بالكل ، والخاص بالعلم0 فالإنسان في حياته يمارس كل هذه الأشياء . والحياة تتعلق بكل هذه المجالات لا نستطيع أن نفهمها إلا إذا أدركنا هذه الصلات ، ولا نستطيع أن ندفعها إلي الأمام إلا "بتكسير الحواجز" والقضاء علي التحيزات المبنية علي الطبقة ، أو الجنس ، أو الدين ، أو العرق ، أو القومية ، أو التفكير الجزئي الذي يحول الحقائق الجزئية إلي حقائق كليه0

كانت القراءات المقررة عليهم عدد من الروايات العربية المترجمة إلي الإنجليزية 0 اخترتها ليطلوا علي عوالم غير عالمهم0 واخترت أن تكون أغلب قراءاتهم من الرواية بالذات لأن الأدب الروائي يعبر عن كلية الحياة ، عن الإنسان الذي هو كائن اقتصادي ، اجتماعي ، ثقافي، فلسفي ، نفسي . مكون من جسم ، وعقل لا ينفصلان عن بعضهما 0 الرواية هي الإنسان في علاقته بكل ما يدور في المجتمع ، وبالآخرين0 الرواية هي محاولة لاستشراف المستقبل 0

كل أسبوع كنت أطلب منهم أن يكتبوا ورقة من ثلاث أو أربع صفحات حول موضوع معين أثير أثناء الحوار0 في هذه الأوراق لم أكن معنياً بأن "يرصوا" فقرات من كتاب ، أو يستعرضوا معلومات0 كنت أحثهم علي التعبير عن رؤيتهم للأشياء ، عن تجاربهم الخاصة والحميمة ، عما أثار انتباههم ، عما أثر في حياتهم ، عما طور تفكيرهم ، عن نظرتهم للمجتمع والحياة ، عن أحلامهم 0 كنت معنياً بأن يكتشفوا هم قدراتهم ، ومواهبهم ، وأن يثقوا فيها0 أن ينتقدوا ما يدور في الفصل إن كان لهم انتقاد0 أن يعبروا عن أنفسهم بجرأة وصراحة0 أن ينبع كل ما يكتبون من أعماقهم وليس من الكتب ، أو من الآخرين0 كنا نستخدم القراءات لإثارة التفكير، والتساؤل ، والتحليل وليس كمراجع للحفظ0

كانت ورشة جماعية للفكر ، والحوار عن طريقها تعلمنا من بعضنا ، واقتربنا. عن طريقها زادت ثقتهم في أنفسهم ، في قدراتهم علي التفكير ، والتعبير ، والإبداع وطول الوقت كنت واحد منهم أتعلم منهم ويتعلمون مني 0 عن طريق هذه الورشة تفتحت أذهاننا للشمس والهواء، للمساحات، للمستقبل والآفاق0 لا أريد أن أبالغ فيما فعلناه ، لكننا علي الأقل خرجنا من هذه التجربة أقوي ،