spacer
nawal and sherif

 


Visit Old website
title
Back to Dr. Hetata's main articles page

الأهالى 19/2/2003

فى بورتو إليجرى .. الأحلام ليست محرمة

 

السيارة تحملنا فوق الطريق يتلوى كالثعبان الأسود فى مساحات البياض الثلجى. إنه الشتاء فى مدينة "بورتلاند" فى أقصى شمال الولايات المتحدة. الأغصان تمد أصابعها العارية صاعدة فى الفضاء. سقطت أوراق الشجر. ماتت ودفنت فى الأرض لتتواصل دورة الحياة. لكن السماء زرقاء، صافية، والمحيط الأطلسى الممتد حتى الأفق تلمع مياهه فى الشمس. أرتدى غطاء للرأس يهبط ليغطى أذنى و"تلفيعة" و"بولوفر" وسترة كلها من الصوف لتقينى من البرد، فالحرارة تنخفض إلى عشرين درجة تحت الصفر. عندما أنظر فى المرآة أبدو كائناً غريباً منتفخ الجسم.

وصلت إلى مدينة "بورتلاند" عاصمة ولاية "ماين" يوم 4 يناير وولاية "ماين" جزء من منطقة اسمها "نيوانجلاند" أى إنجلترا الجديدة. هكذا سماها المهاجرون الأول الذين نزحوا من بريطانيا ليستقروا فيها هرباً من الاضطهاد الدينى، والفقر اللذين كانوا يعانون منهما. مرتان فى الأسبوع أخوض فى طبقات الثلج سائراً على قدمى إلى جامعة "سذرن ماين" حيث أصبحت أعمل أستاذاً زائراً. أقوم بتدريس منهج من تصميمى الخاص سميته "كسر الحواجز" اخترت له عدداً من الروايات المصرية المترجمة إلى الإنجليزية، ومن بينها رواية لى اسمها "الشبكة" ورواية "لنوال السعداوى" اسمها "الأغنية الدائرية" بالإضافة إلى روايات "لنجيب محفوظ" و" يوسف إدريس" و"سليمان فياض". ففى عصرنا هذا أحوج ما نكون إلى الإدراك بأننا نعيش فى عالم واحد، وإلى "كسر الحواجز" التى تفصل بين الشعوب، بين القوميات، والأجناس، والأعراق، والطبقات لنتضامن ضد الاستغلال، والحروب، ولنستعيد إنسانية الإنسان فى عالم أصبح المال هو كل شئ.. والبشر سلعة تشترى أو تباع أو يلقى بهم فى سلة المهملات.

فالأدب موضوعه هو الحياة، فى كليتها وشمولها، موضوعه هو الإنسان. إنه يفتح أبواباً للحوار حول كل ما يمكن أن يشغل بالنا، حول كل ما يمكن أن يشغل بال الطلبة والطالبات الذين أجدهم ينتظرون فى الفصل عندما أحضر فى الصباح فأشعر بالسعادة عندما أقبل عليهم، وأشعر بالتعاسة عندما أتذكر أننى لم أدخل فصلاً فى الجامعة المصرية مرة واحدة فى حياتى لأن القائمين على شئون بلادنا يخشون المعرفة الحقيقية، والعقل القادر على التفكير المستقل، والتساؤل الشجاع. إن التعليم فى بلادنا نصوص، وشهادات، وامتحانات تقتل الإبداع، وليس طريقة فى التفكير، وخبرة فى الحياة تدخل فى صميم العمل، والمهن التى يعد لها شبابنا.

لكن هذا الصباح بدلاً من أن أتجه الى الجامعة أنا متجه إلى المطار. أمامى فى السيارة تجلس طالبة أمريكية تدعى "كيمبرلى". إلى جوارها ألمح رأس نوال السعداوى أبيض فضى. لم يتغير منذ أن التقينا فى رحلة عمر دامت أربعين سنة، وفى رحلة حول العالم. أسمع صوت "كمبرلى" المرح الرنان، وهى تقود سيارتها الصغيرة، القديمة فى مهارة، وإقدام، وأسمع صوت نوال. جيلان ولكن تربطهما تلك العلاقة الساحرة التى كثيراً ما تربط بين النساء. أسرح فى الحاضر وفى الماضى محمولاً براحة مع الأفكار.

أنا ذاهب الى "بورتو إليجرى" للمرة الثانية. قبل أن نغادر القاهرة جاءتنا الدعوة لحضور "المنتدى الاجتماعى" الثالث المنعقد بين 23 و 28 يناير سنة 2003. رسالة موجهة باسم الهيئات البرازيلية الست القائمة على تنظيم المنتدى. مع الدعوة اقتراح بأن تقوم نوال السعداوى بتقديم شهادة ضمن عشر شخصيات عالمية سيقدم كل منهم شهادة مثلها، وبأن أشارك من جانبى بمداخلة حول "الأصولية والتعصب".

وصلنا إلى "بورتو إليجرى" بعد خمس وعشرين ساعة من السفر. أسفل السلم المتحرك الذى هبطنا عليه إلى صالة الوصول كانت تنتظرنا شابة شقراء فارعة القوام. تحمل لافتة كتبت عليها أسماؤنا. لمحت ابتسامتها تضىء كأن منظرنا أوحى إليها بأننا الوافدان اللذان تنتظرهما. قادتنا إلى السيارة التى كانت تنتظر خارج المطار وبعد وقت قصير وجدنا أنفسنا فى بهو فندق "بلازا ساورفائيل" تحيط بنا أحضان عدد من الفلسطينيين، والسوريين، واللبنانيين، والأصدقاء الأجانب الذين تعرفوا علينا.

كنت قد حضرت "المنتدى الاجتماعى الثانى" فى "بورتو إليجرى" فى السنة الماضية، حيث قمت بتقديم شهادة عن تأثير القروض الأجنبية على بلادنا منذ أيام الخديوى إسماعيل أمام ما يزيد على خمسة آلاف من المساهمين واظبوا على حضور جلسات المحاكمة الدولية الشعبية للقروض التى امتدت لمدة ثلاثة أيام من العاشرة صباحاً حتى الخامسة مساء. لكن خلال سنة 2002 حدثت تطورات مهمة جعلت من "المنتدى الاجتماعى العالمى" الثالث أقوى، وأعمق تعبيراً عن الحركة الشعبية الدولية الصاعدة ضد النظام الرأسمالى النيوليبرالى الذى تهيمن عليه، وتوجهه الشركات العابرة للأوطان، وفى الوقت نفسه اكتسبت هذه الحركة بعداً جديداً، وأساسياُ منذ أحداث 11 سبتمبر يتجسد فى مقاومتها للحرب. سيطرت الدعوة للسلام، ضد حرب العراق، وضد العدوان الإسرائيلى المستمر على شعب فلسطين، وضد خطط الحرب الطويلة الأمد التى أعلنها "بوش"، ومساعدوه فى الإدارة الأمريكية بحجة القضاء على "الإرهاب" الذى ساهمت أمريكا، ومازالت تساهم فى تغذيته، وسيطرت على أغلبية الأنشطة التى قامت فى إطار المنتدى.

 

أعلام فلسطين

كانت أعلام فلسطين ترفرف فى كل مكان، وعقدت عدة اجتماعات وندوات كبيرة لمناقشة قضية فلسطين، وكانت اللافتات المناهضة للحرب ضد العراق تملأ شوارع المدينة. كانت الدعوة للوقوف ضد هذه الحرب تتخلل أغلب الكلمات والمداخلات والتعليقات التى قام بها المشاركون فى الندوات والسمينارات، وورش العمل. وكان التأكيد على ضرورة تدعيم الحركة المناهضة للحرب مسألة لافته للنظر. وفى إحدى الندوات التى حضرها ما يقرب من خمسة عشر ألف شخص أعلنت "نيكولا بولارد" وهى امرأة استرالية تمثل منظمة اسمها "فوكس أون ذى جلوبال ساوث" ( أى المنظمة الدولية للتركيز على الجنوب ) ومقرها "بانجكوك" عاصمة "تايلاند". أعلنت أن الانتصار الأساسى الذى يجب أن يحققه "المنتدى الاجتماعى العالمى" لاختراق الحصار الرأسمالى النيوليبرالى هو إيقاف الحرب ضد العراق.

كان عدد المشاركين والمشاركات فى "المنتدى الاجتماعى العالمى لسنة 2003 أكثر من مائة ألف جاءوا من 121 دولة بينما فى المنتدى السابق لم يزيد عددهم عن سبعين ألفاً، وأثناء الأيام الستة التى امتدت من 23 إلى 28 يناير عقد 1710 سمينارات وندوات، وورش عمل تناولت كل ما يمكن تصوره من موضوعات اقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وثقافية، وفنية، وعلمية وفلسفية، وغطت مختلف المناطق والبلاد فى العالم. وحضر إلى المنتدى عمال، وفلاحون، ومثقفون، وأساتذة جامعة، وكتاب وفنانون، وعلماء، وأطباء، ومهندسون، ونشطاء سياسيون واجتماعيون، وممثلون وممثلات لكل الأنشطة، للحركات النسائية، وحركات البيئة. أما فيما يتعلق بالجمهور فكانت الأغلبية الساحقة للنساء والشباب.

جاء هذا المنتدى العالمى الضخم تتويجاً للنشاط المتصاعد الذى شهدته الحركة العالمية المناهضة للعولمة خلال سنة 2002. عقد خلالها منتديان محليان، أحدهما فى "بوينس إيريس" عاصمة "الأرجنتين" والآخر فى "كاراكاس" عاصمة "فنزويلا" لكن التطور البارز، والمهم الذى شهدته هذه السنة هو انعقاد عدد من المنتديات التى شملت مناطق إقليمية مختلفة فى العالم. كان أولها من حيث الأهمية اجتماع "المنتدى الاجتماعى الأوروبى" الذى عقد فى مدينة "فلورنسا" بإيطاليا من 6 إلى 9 نوفمبر، والذى حضرة أربعون ألف من المشاركين، والمشاركات.. وقد بادر هذا المنتدى إلى تنظيم مظاهرة انضم إليه ما يزيد على مليون شخص لتصبح أقوى مظاهرة شهدها العالم حتى الآن ضد الحرب عموماً، وضد الحرب فى العراق، والعدوان الإسرائيلى على فلسطين بشكل خاص ومع ذلك لم تحدث فى أثنائة حادثة سطو، أو عنف، أو سرقة، أو حتى توتر طوال المسيرة التى اجتازت شوارع المدينة لمدة ست ساعات.

حدث آخر بارز شهدته سنة 2002 . ففى مدينة "حيدر أباد" التى بدأت فيها حركة "غاندى" الداعية للعصيان المدنى بالتظاهرة الشهيرة ضد ضريبة الملح التى فرضها الاستعمار البريطانى على شعب الهند، فى هذه المدينة التاريخية انعقد "المنتدى الاجتماعى الآسيوى" الذى ضم 14.400 مشارك ومشاركة جاءوا من 41 دولة وإن كانت أغلبيتهم من الهند. ناقش هذا المنتدى عديداً من القضايا أهمها مقاومة السياسات التى تفرضها منظمة التجارة العالمية، والخطر الذى تشكله الحركات الأصولية، السلفية وتدعيم حركة النساء وحقوق النساء، والوقوف مع المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل. ومسألة السيادة الغذائية، ونهب الثروات الوطنية بواسطة الشركات العابرة للأوطان، والسياسات الاقتصادية البديلة.

ضد العولمة

هذه المنتديات الإقليمية. والمحلية هى التعبير الأهم عن سعى الشعوب نحو توحيد الجهود مع مراعاة التنوع الاجتماعى والثقافى الذى يميز عالمنا المعاصر عن محاولة التغلب على الانقسام والتنافس الذى أضر بقضاياها سنين طويلة.

فى السنة القادمة 2004 من المزمع إقامة "المنتدى الاجتماعى العالمى" فى الهند. كما أنه من المحتمل إقامة منتدى اجتماعى إقليمى فى "مراكش" بهدف تدعيم الحركة المناهضة للعولمة فى إفريقيا، والبلاد العربية.

منذ التحرك المناهض للعولمة الذى شهدته مدينة "سياتل" فى ديسمبر سنة 1999 والذى كتبت عنه فى حينه استطاعت هذه الحركة أن تحقق تعبئة جماهيرية واسعة فى مناسبات مهمة، وأن تؤثر على قرارات الاجتماع الوزارى لمنظمة التجارة العالمية الذى عقد فى هذه المدينة، ثم فى مدينة "جنوا" خلال شهر يوليو سنة 2001 مما دفع هذه المنظمة إلى اختيار "الدوحة" عاصمة "قطر" للاجتماع بها بهدف الإفلات من المظاهرات الشعبية التى تعبر عن المعارضة المتزايدة لسياساتها المعبرة عن مصالح الشركات العابرة للأوطان.

 

المنتديات الوطنية

مع ذلك حتى الآن لم تتحول هذه الحركة إلى خطوة لابد منها: الى مرحلة المبادرات القومية، إلى منتديات اجتماعية محلية، فى مختلف البلدان، وبالتالى إلى منتديات إقليمية قوية فى مناطق العالم المختلفة. وتنطبق هذه الحقيقة بشكل خاص على مصر، وعلى البلاد العربية حيث مازالت النظم المحلية رابضة على أنفاس التحركات الشعبية، وحيث مازال الانقسام والتشرذم، والرغبة فى السيطرة سمة من سمات العمل العام مما يتنافى مع طبيعة الحركة المناهضة للعولمة التى تعتمد على التنوع، وتقبل الاختلاف بحثاً عن الأهداف المشتركة، وعلى أسلوب ديمقراطى يحتاج إلى رقى، وحيث مازالت الأحزاب والحركات السياسية تؤكد، وتدعم روح الأحادية، والانقسام رغبة منها فى الاستئثار بما يمكن أن تستأثر به، وتمسكا بعادات قديمة لم تستطع أن تفك إسارها، وحيث انتقلت بعض قياداتها، وعلى الأخص من اليسار لتمارس أساليبها الموروثة فى قطاع مدنى مازال يحبو كالطفل على أرض لا يعرف تضاريسها.

 

***

فى "بورتو إليجرى" التقيت بصديق من إيطاليا اسمه "جابريلى موزيو" يشبه الموسيقيين، طويل القامة، له ضحكة معدية وعينان عسليتان فيهما تأمل. التقيت به فى "المنتدى الاجتماعى العالمى" منذ سنة. صاحب مكتب استشارات اقتصادية، لكنه مولع بالسفر، بلقاء البشر. بأشياء لا تمت إلى "البزنيس" بصلة، ببلاد أمريكا اللاتينية، ومعارك شعوبها. أهدانى فيلما عن "فنزويلا"، عن المعركة التى تدور بين كبار الرأسماليين أصدقاء الولايات المتحدة، ورئيس الجمهورية "هوجو شافيز" الذى دفعه شعب "فنزويلا" إلى الحكم، وإلى اتخاذ المواقف التى اتخذها دفاعاً عن الفقراء فى بلاده. كتب هو "السيناريو" ثم تعاون مع مصور إنجليزى من أصدقائه لإخراج الفيلم. أهدانى نسخة الفيلم عندما زارنى فى شهر "نوفمبر" الماضى أثناء وجوده فى القاهرة.

بحث عنى فى "بورتو إليجرى" إلى أن وجدنى. كانت معه زوجته "البزابيثا". امرأة رقيقة فيها بساطة الطبيعة، بلا أصباغ، ولا جواهر. شاركت معه فى عمل الفيلم ورافقته فى تلك الليلة إلى الفندق. كان معنا اثنان من أصدقائنا الجدد فى الجامعة "جوميدلى" أستاذ قسم الاقتصاد فى جامعة "ساثرن ماين" التى ألحقنا به. تناولنا العشاء معاً فى الفندق وظللنا نتناقش فى موضوعات المنتدى إلى ساعة متأخرة من الليل. ثم تواعدنا على اللقاء فى المظاهرة التى تختتم المؤتمر.

 

عالم أفضل

نظمت مظاهرة ختامية فى السنة الماضية لكن فى هذه المرة تضاعف العدد ليرتفع من خمسين ألفاً إلى مائة ألف. سرت وسط الجموع، وسط خليط مدهش من الأعمار، والأجناس، والمهن. فوق رؤوسنا ارتفعت الأعلام، واللافتات "لا للحرب ضد العراق" .. "لا للدم من أجل النفط" "العالم ليس للبيع ولا الإنسان" "عالم آخر ممكن"، "عالم من صنعنا". الأغانى تعلو فى الهواء، ووجوه الشباب، والشابات من حولى مشرقة. أجسامهم مثل أجسام الغزلان تعرض جمالها. وشعورهم طويلة، مسترسلة، سوداء، وشقراء، وحمراء، وكستنائية تختلط كالأعلام ، بالعيون، والزهور، والأشجار فى نسيج للألوان نابض. أطفال مرفوعون فوق الأكتاف، وشيوخ شابت رؤوسهم، وفلاحون أيديهم تشققت فى العمل، أساتذة، وكتاب، وعلماء، يرتدون العوينات، ويرفعون لافتاتهم.

اكتشف أننى قادر على السير دون وهن. على الرقص والغناء دون خجل. أن قلبى لم يهن. أن الأمل قائم. أن الحرب والعدوان سلاح من لا مستقبل لهم. أسير و سط الأصدقاء أيدينا متشابكة. أرقص، وأغنى، وأضحك. أتحدى السنين الزاحفة.

فهنا يوجد مكان لكل شخص، لكل رأى، هنا سعى للسلام، والعدالة بين البشر. هنا الأحلام ليست محرمة.

 

 
Last updated 26 January 08
Site created May 18, 2001 by Virtual Activism