|
المقالات
المراوغة فى فكر النخب المصرية السائدة
بقلم د. نوال السعداوى
القاهرة 25 يناير 2007
هناك نخب مصرية سائدة فى الساحة السياسية والدينية والإعلامية ، نرى مقالاتهم
اليومية أو الأسبوعية فى أكبر صحف الحكومة والمعارضة على حد سواء ، ونرى وجوههم على
الشاشة المصرية والعربية بشكل مستمر ، وهى نخبة متناقضة متخبطة ، تاريخها القديم
والجديد يكشف ترابط مصالحها السياسية والدينية مع السلطة والمال .
بسبب هذه النخب يتخبط الرأى العام المصرى ، ولا يعرف الحقيقة أبدا
فى ظل هذا التخبط الفكرى والسياسى والدينى السائد ، تجسده أحيانا رسوم الكاريكاتير
، والنكت المضحكة ، ومنها كاريكاتير يصور رجلا يقرأ مانشيتا صحفيا كبيرا يؤكد أن :
الدم ملوث بسبب أكياس الشركة إياها ، ورجلا آخر أمامه مانشيت يقول : الدم آمن آمن
وشركات الدماء الأجنبية تهاجم الشركة إياها لأنها شركة وطنية رفعت رأس الصناعة
المصرية الشريفة ! تتخبط النخب السياسية والفكرية ، بسبب المصالح المشتركة ، (أو
عدم الوعى ؟!) ، ويتخبط الرأى العام المصرى بسبب تخبط النخب وتناقضها ، وقوتها
البلاغية فى الدفاع عن الفاسدين من أصحاب السيادة فى البرلمان أو الحكومة أو
الأحزاب أو القوى الدينية السائدة أو الشركات الرأسمالية المصرية أو الأجنبية ،
أخطر شىء هو استخدام شعار حماية الصناعة الوطنية لتمرير فساد شركة
تجارية أو صناعية مصرية ، يشبه شعار حماية النساء بالحجاب والختان لتمرير الفساد
الأخلاقى لعدد من الرجال ، وشعار حماية الشعب المصرى ، لتمرير الاستبداد السياسى أو
الثقافى أو الدينى ، ومصادرة الكتب والروايات ، وكلها شعارات منقولة عن الاستعمار
البريطانى القديم ، الذى احتل مصر تحت إسم "الحماية" ، والاستعمار الأمريكى الجديد
، الذى يحتل العراق تحت إسم الحرية والديمقراطية وتحرير النساء .
أما الشعار الذى ترفعه بعض النخب المصرية المتخبطة والذى يقول :
أن الاستقرار والسلام الاجتماعى فى مصر يأتى من خلال الدفاع عن حق التيار الإخوانى
فى التعبير عن نفسه بحرية ، باعتبار أن إطلاق الحريات العامة فى مصر هو جوهر
الديمقراطية ، ولأن هذا التيار الإخوانى موجود على خريطة الواقع .
لا أحد يسأل : كيف أصبح تيارا إسلاميا واحدا هو المسيطر على
الواقع الاجتماعى والسياسى والثقافى فى مصر ؟ هل بسبب قدرته على التخويف بالعقاب فى
الدنيا والآخرة ؟ وشعارهم الرئيسى : السيف والمصحف ؟
أم لأن الحكومات المصرية المتتالية قمعت كل التيارات السياسية
والثقافية الأخرى ، خوفا من تغيير القيم الرأسمالية الأبوية التى يحميها التيار
الإخوانى مع النظام داخليا ودوليا ؟
ألم تضرب هذه الحكومات جميع التيارات الاشتراكية والنسائية
والشبابية فى مصر ، تمهيدا للغزو الأمريكى الإسرائيلى للاقتصاد المصرى منذ بداية
السبعينات ؟ألم يسمح أنور السادات إلا بأحزاب المعارضة الشرعية الخاضعة للنظام ,
ومنظمات مجتمع مدنى أكثر خضوعا ؟
ألا يسأل أحد لماذا أصبح الحكم فى بلادنا اليوم لرجال الأعمال
وأصحاب الشركات الرأسمالية التابعة للشركات الدولية واقتصاد السوق والعولمة ، هذه
العولمة التى لا تعرف إلا الربح والقوة العسكرية لضمان المزيد من الأرباح ، هذه
العولمة التى حولت أغلب سكان العالم (وليس الشعب المصرى فقط) إلى فقراء مطحونين فى
العمل بأجور قليلة ، أو إلى عاطلين بلا عمل على الإطلاق ، أو إلى مهاجرين يموتون فى
البحر قبل الوصول ، أو يموتون بعد الوصول تحت وطأة قوانين أكثر تعسفا .
تحاول بعض النخب المصرية ، التى تسود الصحافة والإعلام ، والتى
تغازل التيارات الإسلامية وجماعة الإخوان ، تحت إسم إطلاق الحريات واحترام الشرعية
والإقرار بالواقع ، وكلها شعارات حق يراد بها باطل ، شعارات تحاول إيقاف مسيرة
التقدم الفكرى والسياسى فى بلادنا ، وإبقاف الحركة الأخيرة التى طالبت بتعديل
الدستور المصرى ليكون أكثر عدلا فى التعامل مع المواطنين بصرف النظر عن الدين أو
الجنس أو الطبقة أو غيرها ، هؤلاء الذين طالبوا "بالمواطنة" الكاملة المتساوية
لجميع فئات الشعب المصرى نساء ورجالا وأقباطا ومسلمين ، وفقراء وأغنياء ؟
حاولت بعض النخب السائدة إعلاميا ضرب هذه الحركة الصحية الجديدة
بالمراوغة الفكرية ، واللعب على العقول بذكاء وحرفية ، والوقوف ضد أى تغيير فى
الدستور يؤدى إلى المواطنة أو المساواة بين جميع أفراد وفئات الشعب المصرى ، قرأنا
مقالات مراوغة تدافع عن الدستور الحالى ، وعدم حذف المادة رقم 2 التى تفرق بين
المواطنين على أساس الدين ، أو تعديلها , وعدم حذف عبارة " فى اطار الشريعة
الاسلامية " فى المادة التى تنص على المساواة بين الرجال والنساء ؟
وهم متمرسون فى اللعب القانونية والدستورية ، قادرون دائما على
قلب الحقيقة وتشريع التفرقة بين المسلمين والأقباط ، أو بين النساء والرجال ، فى ظل
القانون والشريعة ، وهل يمكن لأحد أن يناقشهم وهم مدعمون بالقانون والشريعة ؟!
يقولون مثلا : أن الباب الأول من الدستور يشمل مجموعة من المواد
التقريرية والتوجيهية مثل النص على أن الإسلام دين الدولة ، وأن مبادئ الشريعة
الإسلامية تمثل المصدر الرئيسى للتشريع ، وأن هذه الأحكام التقريرية والتوجيهية
للدستور (حسب قواعد الفقه القانونى) ليس هدفها تثبيت مبادئ الحاضر فحسب ، ولكنها
أيضا ترسم مبادئ المستقبل ونشاط المؤسسات الحكومية وغير الحكومية فى المجتمع كله ،
كما أنها تجدد المقاصد العامة لأصول الشرعية التى تقوم عليها الدولة والمجتمع
والعائلة (حيث أن العائلة هى النواة التى يقوم عليها المجتمع والدولة) .
ثم يقولون : أن الدستور ينص فى صلب أحكامه التوجيهية على أن
الإسلام دين الدولة وأن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ، بمثل ما ينص
على حماية الوحدة الوطنية ، وحيث أن المشرع منزه عن التناقض فى صياغته لمواد
الدستور ، لذلك فإنه لا تعارض على الإطلاق بين الشريعة الإسلامية من ناحية ، وبين
الوحدة الوطنية أو "حق المواطنة" من ناحية أخرى .
يمر هذا الكلام المتناقض والمراوغ دون مناقشة ، لأنه يصدر عن سلطة إعلامية كبيرة ،
وهى سلطة النخبة التى ترتدى قبعة المعارضة أحيانا ، وقبعة النظام الحاكم أحيانا
أخرى ، تغازل التيارات الإسلامية بمثل ما تغازل الأقباط والنساء والداعين الى تعديل
الدستور .
هدفهم الرئيسى تثبيت الوضع الحالى الذى يفرق بين المواطنين على أساس الدين والجنس
والطبقة وغيرها ، تحت إسم الدفاع القانونى والفقهى والشرعى عن مواد الدستور الحالى
.
ويخالفون المنطق والبديهيات ، ويقولون أن التحيز للدين الإسلامى
فى الدستور ليس تحيزا ، ولا يؤدى إلى تفرقة دينية ، أو يخلق وضعا طائفيا يميز
المسلمين عن الأقباط ، بل هو يقر فى أحكامه بإسلامية الدولة ، ويقر بالشريعة
الإسلامية كأصل للشرعية ، ولأن الدستور هو أول تعبير تشريعى عن الأصول المرجعية
للمجتمع والدولة .
ثم يؤكدون بعد ذلك أن الدستور الحالى لا يتعارض على الإطلاق مع
المواطنة أو المساواة بين المواطنين ، ابتداءًا من المادة 2 التى تنص على أن
الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع ، ثم المادة
التى تنص على المساواة بين الرجال والنساء دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية ،
وكذلك المادة التى تنص على أن التربية الدينية مادة أساسية فى مناهج التعليم العام
.
تؤدى هذه المراوغة الفكرية والسياسية إلى تخبط الكثيرين والكثيرات من المثقفين
والمثقفات ولا أقول الشعب العادى ، الذى لم يدرس الفقه القانونى ولا ما يسمونه
الأصول المرجعية للدولة والمجتمع ,
والسؤال الوارد: ما هي هذه الأصول المرجعية للدولة و المجتمع في
مصر ؟ هل هي الشريعة الإسلامية رغم أن التاريخ يقول أن مصر تعرضت لكثير من الغزوات
، وقد فتحها اليونان و الرومان و العثمانيين و الإنجليز ، و أن الشعب المصري كان
أغلبه من الأقباط ، ثم أصبح أغلبه (بعد الفتح العربي) من المسلمين ، و أن هناك
قطاعات من الشعب المصري تؤمن بأديان و عقائد أخرى غير الإسلام ، كما أن أغلب النساء
في مصر يناضلن منذ زمن طويل ضد تعدد الزوجات و حق الرجل المطلق في الطلاق ، وفي
علاقاته الجنسية خارج الزواج . هناك دول إسلامية منعت تعدد الزوجات ، كما أن أحكام
الشريعة الإسلامية في مصر تختلف عنها في السعودية ، أو الكويت ، أو المغرب أو تونس
و اندونيسيا! والسؤال: لماذا تدافع هذه النخب المسيطرة إعلاميا عن الوضع القائم ؟
لماذا تقف في وجه الحركة الجديدة التي تطالب بالمساواة الكاملة بين أفراد الشعب
المصري .
لكن التاريخ الإنساني يسير إلي الأمام وليس ألي الخلف .
العدالة و الحرية و الحب و السلام ، تنتصر ، عاجلا أو آجلا ، على
الظلم والتفرقة بين الناس ، والاستبداد ، والقتل ، والكراهية ، والظلم ، و الفتن
الطائفية ، هؤلاء الذين يستخدمون الفقه والشريعة والقانون والدستور لتثبيت التفرقة
والتحيز ضد فئة من المواطنين لمجرد الاختلاف الدينى أو الجنسى أو الطبقى ؟
وهل هناك جريمة أكبر من الحض على قتل الأقباط فى مصر (وغيرهم من
الديانات الأخرى) لأنهم لا يؤمنون بالنبى محمد , أو ليس الاسلام مرجعتهم الاصلية ؟
ان التعامل مع هذه الافكار المراوغة لا يكون الا بالأفكار الصريحة
الواضحة , أى بالجدل العلمى والنقاش الحر ( غير المهدد بالتكفير أو انكار المعلوم
من الدين أو الثوابت المقدسة ) . التعامل مع هذه الافكار لا يكون بالمثول أمام
النيابة أو المحاكمة المغلقة ثم الاعتذار وكفى المؤمنين شر القتال , بل العلاج هو
المحاكمات العلنية المفتوحة على كل الاتجاهات وكل فئات الشعب نساءا ورجالا وأطفالا
من كل الاديان والعقائد بمن فيهم الذين لا يؤمنون بالاديان السماوية , وقد أمر الله
بحرية العقيدة , من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر , ومنذ قرن مضى نشر فى مصر كتاب
عنوانه : لماذا أنا ملحد ؟ لا يعنى عدم الايمان بالدين الذى ورثناه عن الأب أننا
أفضل الناس خلقا , وأغلبية سكان الأرض لهم عقائد مختلفة عنا , ومنهم كثيرون وكثيرات
أكثر التزاما منا بالعدالة وعدم التفرقة بين البشر على أساس الدين أو الجنس أو
الطبقة أو غيرها , وهم يتظاهرون ويناضلون أكثر منا ضد الحرب فى العراق أو فلسطين أو
لبنان أو الصومال أو أفغانستان أو غبرها , وهم أكثر منا شجاعة فى نقد حكامهم واسقاط
حكوماتهم , بل أكثر منا دفاعا عن قضايانا العربية , وضد النهب الاستعمارى لمواردنا
وانتاجنا الوطنى , والرجل منهم أكثر احتراما للمرأة منا , وأكثر حرصا على حقوق
الاطفال , فلا يعاقب الطفل البرىء كما يحدث عندنا , ويطلق سراح الرجل الجانى ,
انهم شعوب تراقب حكوماتهم وتشارك فى صنع الأحداث , وليسوا مثلنا
لا نشارك فى شىء الا الشكوى والبكاء والتوسل لأصحاب السلطة كى يمنحونا الحرية
والديموقراطية والاصلاحات الدستورية والاقتصادية ,
النخب السائدة فى مصر يقلبون الحقائق رأسا على عقب , تحت اسم حماية الشعب القاصر
لأنهم فى نظر أنفسهم قادة الفكر , المفكرون , يغازلون رئيس الدولة ببعض المقالات
الناقدة له , فيسعى اليهم يسترضيهم , ويرتفع ثمنهم فى نظره , أكثر من الآخرين
المطيعين الخاضعين ,
انها لعبة النخبة المعارضة فى مصر , تدربوا عليها فى كافة العهود , عيونهم شاخصة
دائما نحو الرئيس , وظهورهم نحو الشعب المقدس , تماما مثل الأمومة المقدسة , التى
يتغنون بها فى أعياد الأم الفارغة من أبسط الحقوق الانسانية , وأولها غياب شرف الأم
, ويكفى أى طفل أن يحمل اسم أمه حتى يصبح ابن الزنا ويركبه العار طول العمر ,
لدينا أنواع أخرى من النخب الاعلامية السائدة , التى أصبحت تهاجم التيارات الدينية
تأييدا للحكومة فى صراعها ضد الاخوان , وهم يغضون الطرف عن فساد الشركات التابعة
للعولمة , والسعى الدؤوب لرجال الأعمال فى مصر للاستيلاء على الحكم بدلا من العناصر
المسيطرة حاليا .
مع تزايد المراوغة والخداع الفكرى تزايد التدين السطحى الذى يركز على مظهر الأخلاق
( الملابس والحجاب ) وليس جوهر الأخلاق ( السلوك اليومى والمسئولية الفردية
والجماعية والعمل المنتج المبدع ) واحترام الآراء الأخرى والعقائد الأخرى ,
مع تزايد النعرة الدينية والوطنية تزايد الفساد السياسى والاقتصادى والاخلاقى , مع
تزائد الحجاب تزائد التحرش بالبنات وان كن منقبات , لقد زاد العنف ضد النساء فى
الشارع وداخل الأسرة على نحو خطير , يكفى أن نقرأ تقارير العنف ضد المرأة خلال ستة
أشهر ( من أول يوليو حتى نهاية ديسمبر 2006 ) منها : 361 حادثة خطف واغتصاب , ومنها
123 قتل للنساء , وزاد عدد المنتحرات من البنات والنساء ( 37 حالة ) , والمضروبات
بأزواجهن والمهجورات بسبب الزوجات الأخريات , بالاضافة الى تزايد عدد الأطفال الذين
يتهرب آباؤهم من الاعتراف بهم ويصبح الشارع مأواهم يحملون لقب أولاد وبنات الزنا أو
الأطفال غبر الشرعيين ( فى مصر اليوم ثلاثة ملايين من أطفال الشوارع منهم 2 مليون
طفل غير شرعى )
ومع تزايد اعداد النساء فى الانتخابات وتسلقهن السلالم الى لجان التصويت , تزايد
عدد الرجال من ذوى اللحى فى مجلس الشعب , وزادت المتاجرة بالدين تحت سقف البرلمان ,
ومعها المتاجرة بكل شىء ,
أصبح الفساد السياسى والاقتصادى والاخلاقى يحدث تحت قية البرلمان أكثر من أى مكان
آخر , أصبح التضليل الأكبر يحدث من النخب السائدة سياسيا واعلاميا , وأصبح الشعب
المصرى جاهلا بحقوقه الدستورية والقانونية ,
هل يعلم الشعب أن أى عضو فى مجلس الشعب ( مثلا صاحب شركة أكياس الدم ) يمكن أن يخرق
مواد الدستور دون أن يناله عقاب قانونى ! لماذا ؟ لأنه لا يوجد نص فى فانون
العقوبات يحدد عقوبة لمن يخالف مواد الدستور , تماما مثل عدم وجود عقوبة قانونية
للرجل الزانى , أما الرجل الذى يغتصب فتاة فلم يكن يعاقب اذا تزوجها , ورغم تعديل
القانون مؤخرا فلا تزال الأسر المصرية تجبر الفتاة على الزواج من مغتصبها حفاظا على
شرف رجال العائلة ,
أما المادة 95 فى الدستور التى تحرم التجارة والتكسب من المنصب
فهى حبر على ورق , وكم هم نواب البرلمان فى مصر الذين تكسبوا وجمعوا الملايين من
خلال سلطتهم كأعضاء مجلس الشعب , وكيف أصبح أغلب النواب اليوم من رجال الأعمال
والبيزينيس , وأصحاب الشركات الرأسمالية ووكلاء الشركات الأجنبية ؟ وهل ننسى نواب
القروض والهاربين بأموالهم تحت سمع الحكومة وبصرها ؟
لعل أكبر تضليل هو تلك الاقتراحات التى تقدمها النخبة المصرية المسيطرة لعلاج
الفساد ( بعد قضية اكياس الدم الأخيرة) , ومنها تشكيل لجنة سياسية عليا لمكافحة
الفساد !!
يعنى اضافة لجنة أخرى عليا الى العديد من اللجان العليا الموجودة
, ومن سيشكل هذه اللجنة العليا أيها السادة ؟ أليسوا هم أصحاب السلطة فى تشكيل
اللجان العليا , واختيار اعضائها من الرجال والنساء الذين يدورون فى فلك السلطة
والمال ورجال ونساء الأعمال ؟
مع أن العلاج واضح , وهو فى يد الشعب المصرى نفسه ,
الشعب القادر على انتزاع حريته من أنياب السلطة والمال , القادر
على الغاء قانون الأحزاب والجمعيات , وتكوين أحزابه وجمعياته دون أخذ الاذن من
الحكومة أو لجنة الأحزاب أو ما يشبهها , القادر على توعية نفسه دون حاجة الى النخبة
المراوغة ,
لقد حدث ذلك للشعوب التى حررت نفسها من الاستبداد الداخلى
والخارجى , وليس أمام الشعب المصرى طريق آخر , لأن الحرية تؤخذ ولا تعطى , والوعى
أيضا يؤخذ من التجارب التى يخوضها الشعب بنفسه ولا يفرض عليه الوعى الزائف فى
المدارس وأجهزة الاعلام المملوكة للحكومة أو لرجال الاعمال ,
وبالمثل لا يمكن أن يتحرر نصف المجتمع من النساء دون الوعى
والتنظيم , وانتزاع حقوقهن فى الدولة والعائلة بأيديهن , وكشف الخداع ومراوغة
الشعار المرفوع اعلاميا , " تمكين المرأة " , والذى أدى الى تحجيب عقول النساء أكثر
من شعورهن أو وجوهن , ومع زيادة عدد المتعلمات وخريجات الجامعات تزايد الجهل بحقوق
المرأة كانسان , وتم اختزالها الى جسد يغطى ( تحت شعارات دينية ) أو يعرى لزيادة
أرباح الرأسمالية فى السوق الحرة والعولمة , أو هى تغطى شعرها وتعرى جزءا من بطنها
حسب الموضة , وارضاءا لتيارات الأسلمة والأمركة التى سادت فى مصر خلال السنين
العشرين الأخيرة ,
أما شعار الخصوصية الثقافية أو الهوية الذى رفعته النخبة السائدة
فقد أصبح يعنى الدفاع عن السلبيات من التراث , خاصة فيما يتعلق بالنساء , كبشات
الفداء فى الصراعات الدائرة بين الرجال , أصبحت الهوية تعنى حجاب المرأة المصرية
وختانها , وهوية الرجل هى اللحية والسبحة وزبيبة الصلاة , أو حقه فى الطلاق وتعدد
الزوجات , أو حريته الجنسية دون تقيد بالاخلاق أو مسئولية نسب أطفاله اليه الناتجين
عن نشاطه الجنسى
ولعل أكبر صور المراوغة هى صورة وزير الصحة وهو يتبرع بدمه مؤكدا
أن الدم آمن آمن , وخبر منشور الى جوار صورة الوزير يقول أن لجنة الفتوى بالأزهر
تناشد الشعب المصرى على التبرع بدمه فهو واجب دينى ووطنى , باعتبار أن الدم من باب
الهبة وليس للمتبرع أن يقبض ثمنا على ما يقدمه من دمائه ,
لكن السؤال : من يكسب الأموال من هذه الدماء المجانية لوجه الله ؟
اليست هى شركة الدم التى تتاجر بالدم , والتى أصبح الناس يتشككون فى نزاهتها
ونظافتها , مهما دافع عنها كبار النواب فى الحزب الحاكم , ومنهم نقيب الأطباء
الأكبر , الذى تحولت نقابة الأطباء تحت رئاسته الى نقابة للاخوان والتيارات
الاسلامية , يغضبها أن تظهر شعرة فى رأس المرأة أكثر مما يغضبها تلوث الدماء , وقتل
النساء والأطفال الأبرياء , واطلاق سراح الجناة من الرجال تحت اسم تطبيق القانون
والشريعة ,
د. نوال السعداوى
القاهرة 25 يناير 2007
|