Articles
" لا " شرق أوسط
يهودى ولا اسلامى
ولا مسيحى !
د
. نوال السعداوى
.
القاهرة 6 أغسطس
2006
مع غبار المعارك
الحربية والدماء
المغرقة للأرض
والسماء , تغرق
العقول فى بلادنا
فى الغبار والضباب
, وتتخبط فى نظريات
منقولة عن الاعلام
الامريكى الاسرائيلى
, أو الاعلام
الطاثفى الدينى
الاسلامى أو
المسيحى أو
اليهودى أو
الشيعى أو السنى
أو غيرها من
المذاهب الدينية
والطائفية
المختلفة , أو
النظريات التى
ترتدى ثوب العلم
والفلسفة , وهى
فى أغلبها نظريات
استعمارية
جديدة ,
ومنها نظرية
صراع الحضارات
أو الثقافات
, وتحويل الصراع
على الأرض والنفط
, أو الماديات
الى صراع على
الروحانيات
والأديان , لعبة
قديمة منذ أكثر
من ثلاثة آلاف
عام , واختلاط
الأوامر السماوية
العليا بالأوامر
العسكرية الدنيا
.
لا تتذكر أغلب
النخب فى بلادنا
الدماء التى
سالت فى الغرب
والشرق , الفرق
المسيحية التى
قتلت بعضها
البعض فى أوروبا
تحت حكم الكنيسة
, والفرق اليهودية
التى قتلت المسيح
واليهود والمسلمين
تحت شعارات
دينية وآيات
فى التوراة
تنص على الاستيلاء
على أراضى الشعوب
وذبحهم عن آخرهم
طاعة للاله
, والفرق الاسلامية
التى ذبحت بعضها
البعض منذ عثمان
بن عفان وعلى
بن أبى طالب
والحسن والحسين
حتى اغتيال
عدد من المفكرين
والأدباء فى
بلادنا العربية
, ومحاولة اغتيالهم
فيما عرف باسم
: قوائم الموت
, التى نشرت فى
الصحف خلال
العقود الثلاثة
الماضية ,
واليوم نقرأ
أفكارا لرجال
السياسة والفكر
, أو رجال الدين
المسيحى أو
الاسلامى أو
اليهودى , يتنبأون
بأن المنطقة
التى نعيش فيها
, والتى تغير
اسمها الى "
الشرق الأوسط
"والتى تشمل
شعوبا مختلفة
منها تركيا
والباكستان
و اسرائيل وايران
ولبنان وسوريا
ومصر والعراق
وكردستان والمغرب
وتونس والجزائر
, والكويت والسعودية
وقطر , والبحرين
, والامارات
واليمن والسودان,
وغيرها ,شعوب
المنطقة الكبيرة
التى تختلف
فى أديانها
, ومذاهبها وعقائدها
ولغاتها وثقافاتها
ونظمها الاجتماعية
والسياسية
, أن شعوب هذه
المنطقة سوف
نخضع لحكم دينى
واحد , اسلامى
؟
ألا ترون ما
يحدث فى العراق
من فتنة طائفية
يقتل فيها كل
يوم مئات النساء
والأطفال والرجال
تحتاسم الدين
والطوائف ؟
ألا ترون أن
تفتييت فوى
الشعب أو الشعوب
دينيا هى الوسيلة
المثلى لحكمها
واخضاعها ؟
ألا تذكرون
الحرب الأهلية
الطائفية فى
لبنان التى
مزقته الى فرق
متناحرة , وما
أن التقط لبنان
أنفاسه ووحد
صفوفه حتى عادت
الآلة الاسرائيلية
الامريكية
لتمزقه من جديد
, بحجج مختلفة
, ونبريرات
متعددة , هدفها
واحد : تمزيق
لبنان دينيا
,
ألا ترون أن
المقاومة اللبنانية
اليوم تصر على
وحدة لبنان
وعدم تقسيمها
دينيا , أو عقائديا
, لتشمل المسلم
والمسيحى واليسارى
والقومى واللبرالى
الوطنى المعادى
للاستعمار
الاسرائيلى
الامريكى ؟
حتى حزب الله
لا يريد أن يقاتل
تحت أى مظلة
دينية اسلامية
أو غيرها ,
بصعود التيارات
الدينية فى
مصر , و " حصول
الاخوان المسلمين
على 88 مقعد فى
البرلمان ""
تسابقت الفرق
المفكرة السياسية
الى كسب رضا
هذه القوى الدينية
الجديدة , تحت
اسم الواقعية
, أو احترام
نتائج الانتخابات
الديموقراطية
\ الغير ديموقراطية
, لأنها تتخذ
شكلا ديموقراطيا
, من الظاهر فقط
, بعد أن تم سحق
القوى السياسية
الأخرى المتفدمة
, ولم تبق الا
هذه القوى الدينية
التى تعاون
" ريجان والسادات
" على تدعيمها
مع اسرائيل
, وقد نجحت هذه
الطريقة فى
ضرب ياسر عرفات
فى فلسطين بتدعيم
حماس , واليوم
يتم التخلص
من حماس , كما
تم ضرب القوى
اليسارية فى
مصر بتدعيم
التيارات الدينية
, ثم محاولة التخلص
من هذه القوى
اليوم , يصاحب
التقدم العلمى
فى مجال البيولوجى
وعلم الكون
والطب والفيزياء
والكيمياء
تقدم فى تكنولوجيا
الاعلام والسلاح
العسكرى والأسلحة
البيولوجية
والكيماوية
, ولأننا تخلفنا
فى هذه المجالات
جميعا , بسبب
القيود السياسية
والدينية على
عقولنا ( وليس
بالطبيعة البيولوجية
أو الجينوم
الوراثى ) تفوق
علينا الاستعمار
الأوروبى الأمريكى
الاسرئيلى
, وتزايدت الهوة
الفكرية والحربية
بين بلادنا
وبلادهم , كانت
مصر بحكم حجمها
البشرى وتاريخها
الفكرى مؤهلة
للتقدم العلمى
والعسكرى أيضا
, الا أنها تخلت
من دورها تماما
لصالح اسرائيل
منذ بداية السبعينات
من القرن الماضى
, واستطاعت الحكومة
الامريكية
عبر" خدعة المعونة
لمصر" , أن تنزع
عن مصر سلاحها
الاقتصادى
الانتاجى , وسلاحها
الحربى أيضا
, حدث خلل كبير
فى القوة العسكرية
بين مصر واسرائيل
, بسبب توقيع
مصر على معاهدات
منع انتشار
الأسلحة النووية
, أولها فى 10 ابريل
1972 , ثانيها فى
26 فبراير 1981 , , وثالثها
14 أكتوبر 1996 , واستطاعت
مصر أن تقود
البلاد الافريقية
والعربية لتوقيع
هذه المعاهدات
ارضاء للحكومة
الأمريكية
, وأصبحت اسرائيل
هى القوة العسكرية
النووية الوحيدة
فى المنطقة
,
تدرك اسرائيل
بصفتها دولة
" يهودية " أنها
( كى تستمر ) لا
يد من تحويل
البلاد من حولها
الى دويلات
دينية مثلها
, تعلمت اسرائيل
من الاستعمار
الاوروبى والأمريكى
أن " الدين "
ورقة ناجحة
دائما فى تفتيت
الشعوب , ( فرق
تسد ) .
يعتمد مشروع
الشرق الأوسط
الجديد ( الذى
أعد له من قبل
أحداث 9 سبتمبر
2001 على تقسيم المنطقة
دينيا وطائفيا
, لذلك يمكن أن
تتمشى أهدافها
عاجلا أو آجلا
مع مشروع الشرق
الأوسط الاسلامى
, وهى ليست المرة
الأولى التى
يحدث فيها التعاون
بين القوى الدينية
السياسية والقوى
الاستعمارية
القديمة أو
الجديدة , وهكذا
تبدأ الصراعات
الدينية والطائفية
, وتغرق بلادنا
فى بحور من الدماء
,
بعض الآراء
تقول , ولماذا
نفترض أن الحكومة
الاسلامية
ستفرق بين المواطنين
؟ لماذا لا
يكون هناك عدل
ومساواة بين
الناس فى ظل
جكومة اسلامية
؟ والاجابة
بديهية : لأن
الحكم الدينى
يسوده التحيز
للدين السائد
وقيمه الاجتماعية
والأخلاقية
والاقتصادية
,والسياسية
والثقافية
, يحدث هذا فى
المسيحية واليهودية
والاسلام والبوذية
والهندوكية
وغيرها , واذا
تساوت الأديان
فى ظل هذا النظام
فلماذا يطلق
عليه اسم دين
معين ؟
ان اسرائيل
, التى تدعى الديموقراطية
والمساواة
بين المواطنين
, دولة دينية
, لا ينال فيها
الفرد حقوق
المواطنة كلها
الا اذا كان
يهوديا , ولكونها
دولة دينية
فهى تفرق أيضا
بين الرجال
والنساء ,و الأسرة
تحكمها السلطة
الأبوية , بالرغم
من حركة النساء
التحريرية
وتعانى الطبقات
الكادحة الفقيرة
من سطوة النظام
الطبقى الرأسمالى
فى اسرائيل
,
لقد تقلص الحوار
السياسى فى
بلادنا اليوم
الى سؤال واحد
: هل يصبح الشرق
الأوسط الجديد
أمريكى اسرائيلى
؟ أم شرق أوسط
اسلامى؟
هذه الردة الفكرية
تحدث غالبا
عند الأزمات
, لدى الكثيرين
من المفكرين
فى المنطقة
, وقد مرت بلادنا
بأزمات متعددة
, وهزائم متكررة
, وانهارت القوى
العربية الاقتصادية
والعسكرية
والثقافية
, وسادت التيارات
الدينية تحت
اسم الهوية
والأصالة والخصوصية
الثفافية , وانتشرت
الأفكار الطبقية
وعادت البورصة
والخصخصة تحت
اسم حرية السوق
, وعادت النساء
الى الحجاب
والخضوع تحت
اسم الأمومة
والأنوثة والأخلاق
والدين ,
وقد انكمشت
جميع الأنظمة
العربية خوفا
وعجزا عن المقاومة
, واندثرت الجامعة
العربية , وتطلع
الجميع الى
حسن نصر الله
, كما كانوا يتطلعون
الى ياسر عرفات
عام 2003 , بعد أن
عاد من كامب
ديفيد الثانية
, وتقلصت قضية
قيام الدولة
القلسطينية
الى الصراع
حول القدس الشرقية
فقط , وتم نسيان
عودة ثلاثة
ملايين ونصف
من اللاجئين
الفلسطينين
الى وطنهم , ومشكلة
المستوطنات
وغيرها ,
وأصبحت قضية
القدس مسألة
دينية , وليست
عودة أرض محتلة
الى أصحابها
بصرف النظر
عما فيها من
آثار اسلامية
أو مسيحية أو
غيرها , تبنت
أغلب النخب
العربية هذه
الفكرة , وتحول
الصراع حول
الأرض المسلوبة
الى صراع دينى
, وهو بالضبط
الصراع الذى
تريده اسرائيل
وأمريكا , لأنه
يؤكد على فكرة
الهوية الدينية
, واشاعةالتفرقة
بين الناس على
أساس طائفى
,
ان الأرض لا
دين لها , واذا
أصبح للأرض
هوية دينية
فماذا يحدث
فى العالم ؟
سوف تحتل الفاتيكان
أرض مصر لأن
فوقها كنائس
, وتحتل السعودية
أرض الهند وباكستان
لأن فوقها مساجد
, وهكذا فى الأماكن
الأخرى من العالم
, , وأصبح من حق
الفاتيكان
أن يكون لهم
حق الاشراف
على القدس وليس
الفلسطينين
,
بالأمس تظاهر
فى لندن اكثر
من مائة ألف
شخص , تجمعوا
من أجل هدف واحد
, هو ايقاف الحرب
فى لبنان وادانة
اسرائيل , تجمعوا
معا بصرف النظر
عن اختلاف الدين
أو الجنس أو
اللون أو الطبقة
أو غيرها , تكررت
هذه المظاهرات
فى أغلب بلاد
العالم , وتتكرر
دائما عند كل
اعتداء يقع
على أى شعب من
قبل الآلة العسكرية
الأمريكية
الأوروبية
الاسرائيلية
, تظاهرت شعوب
العالم ضد الحرب
على العراق
, وفلسطين , وأفغانستان
, وغيرها ,
أليست هذه القوى
العالمية الشعبية
ظاهرة جديدة
تستحق الدراسة
, والتفكير كيف
يمكن التضامن
معها والاستفادة
منها للتغلب
معا على يطش
الحكومات ؟
لقد اتسع الصراع
وامتدت ميادين
القتال وتجاوزت
حدود الدول
, أصبحت القوى
الباطشة دولية
, مما يستوجب
أن تكون المفاومة
الشعبية دولية
أيضا , بالاضافة
الى المقاومة
المحلية ,
ولا تزال أغلب
قوى الشعوب
المحلية العربية
معطلة أو متفرجة
, تحتاج الى عقول
مبدعة تحركها
وتنظمها بطرق
جديدة غير تقليدية
, لتكون أكثر
فعالية وتأثيرا
, فى رأيى أن الهزيمة
الأساسية التى
أصابتنا هى
هزيمة فكرية
, أو هى التبعية
الفكرية للحكومات
التى هزمتنا
عسكريا واقتصاديا
, ان العقل المفكر
المبدع هو السلاح
الأقوى فى كل
الأزمات , وهو
الذى يحمى الفرد
والجماعة من
الانقراض , لولا
ضعف عقولنا
ما انتصرت علينا
اسرائيل أو
أمريكا أو أى
قوة أخرى وحشية
,
ان صمود المقاومة
اللبنانية
بما فيها حزب
الله هو صمود
عقلى , وليس طائفى
أو دينى , ولا
هو قوة السلاح
العسكرى , فالفارق
بين القوى العسكرية
كبير , لكن الابداع
العقلى ينتصر
فى النهاية
, والا كيف انتصرت
بلاد صغيرة
مثل فيتنام
وكوبا على الجيوش
الامريكية؟
ان الجندى الاسرائيلى
يتدرب على الآلات
الحربية , ويقاتل
بالضغط على
الأزرار فى
التابلوه أمامه
على نحو أوتوماتيكى
, محتميا من الخطر
بجسد الطائرة
الصلب , أما المقاتل
فى حرب العصابات
فهو يتحول الى
جهاز عقلى , يتدرب
على مواجهة
الخطر , والكر
والفر , والابداع
الفكرى فى كل
لحظة يمر بها
, أو مفاجأة تحدث
لم يتوقعها
,
وقد ينهزم الفرد
أو الجماعة
فى حروب العصابات
أو فى المقاومة
الشعبية , وقد
تنهزم الشعوب
عسكريا أو سياسيا
الا أنها
لا تموت ,وتنهض
من جديد بعقل
جديد أكثر عمقا
وابداعا , وهكذا
عاشت شعوب صغيرة
واندثرت امبراطوريات
فى الشرق والغرب
,
د . نوال السعداوى
|