|
لماذا لا تغلق دار الإفتاء فى مصر ؟
بقلم د.
نوال السعداوى
القاهرة 23 مارس 2006
بينما كانت المظاهرات الشعبية فى بلاد العالم
مشتعلة ضد المذابح فى العراق وفلسطين ، يحمل المتظاهرون من النساء والرجال شعارات
تنادى بتقديم "جورج بوش" و "تونى بلير"
و "بيرلسكونى" للمحاكمة الدولية كمجرمى حرب ، وقد مرت ثلاثة أعوام على الحرب ضد
العراق فى مارس 2006 ، بينما الشعوب تعلن غضبها وسخطها على جرائم الامبراطورية
الأمريكية ومشاريعها الاستعمارية الاقتصادية فى بلادنا العربية .
بينما كان ذلك يحدث إذا بمفتى الجمهورية
المصرية (د. على جمعة) يصدر فتوى غريبة
جدا لا علاقة لها بما يعانيه الشعب المصرى من فقر ومرض وجهل وبطالة (هى بعض نتائج
الاستغلال الخارجى والداخلى) . فتوى غريبة لا فائدة منها إلا إشعال فتنة دينية فى
مصر ، وتحويل الاهتمام بالمشاكل الأساسية فى البلاد الى قشور سطحية لا جدوى منها
إلا مغازلة القوى الخارجية والداخلية التى تستخدم ورقة الدين كأداة لتقسيم الشعب ،
حسب مبدأ "فرق تسد" .
أفتى المفتى فى فتواه بتحريم اقتناء التماثيل
وتزيين المنازل بها !! هذه هى المشكلة
التى أرقت السيد المفتى ، ولم تؤرقه المذابح الجماعية فى العراق ، ولم يؤرقه الفقر
المدقع والبطالة التى يعيشها الآلاف من شباب مصر المتعلمين وغير المتعلمين . لم
يؤرقه موت الفقراء والفقيرات جوعا أو غرقا أو حرقا ، بسبب الفساد المنتشر فى كل
الأنحاء . إن مشكلة السيد المفتى هى التماثيل فى البيوت ، وكم هى عدد البوت فى مصر
القادرة على تزيين نفسها بالتماثيل ؟! وماذا تفعل التماثيل أيها السادة والسيدات ؟
ما الضرر فى أن يقتنى أى شخص تمثالا ؟ وما الضرر فى أن يقوم فنان أو فنانة بصتع
تمثال لشخص مثل "سعد زغلول" أو "عرابى" أو الشاعر "أحمد شوقى" أو "محمد عبد الوهاب"
أو "أم كلثوم" أو غيرهم ؟!
ولماذا فى هذا الوقت بالذات والشعوب كلها غاضبة
على الاستعمار الأمريكى وأعوانه فى الداخل والخارج ؟!
تصدر هذه الفتوى التى لا تخدم الشعب المصرى بل تخدم أعداءه فى الخارج والداخل . لقد
حولت الأنظار الى مشكلة غير حقيقية أو مفتعلة لمجرد شغل الرأى العام ، وصرف اهتمام
الناس عن المشاكل الأساسية .
أدت هذه الفتوى الى حوارات حامية فى الصحف
والإعلام تدور حول : هل اقتناء
التماثيل حرام أم حلال ؟ واشتعلت الخلافات الفقهية وغير الفقهية ، بين النخبة
المصرية المتربعة فى الساحة الثقافية والدينية والإعلامية ، من وزراء وعلماء وشيوخ
الأزهر وما يطلق عليهم مفكرون أو صحفيون أو قادة الرأى العام .
بعض الآراء أيدت الفتوى وباركت المفتى على
إيمانه العميق الصحيح ، ومنهم المفتى السابق
(د. نصر فريد واصل) مما أكسب الفتوى قوة وانتشارا ،
وكذلك "الشيخ على أبو الحسن" مستشار شيخ الأزهر لشئون الفتوى الذى أعلن أن تمثال
رمسيس (وغيره من التماثيل) حرام شرعا ، لأن "التمثال" تجسيد للروح ويعبر عن الإجلال
!! لكنه استثنى التماثيل الصغيرة جدا لأنها لا تحاكى حجم الإنسان (أو الحيوان) !!
وماذا يكون شعور الناس من الشعب المصرى حين
يسمعون أو يقرأون هذا الكلام الخطير على لسان أكبر علماء الدين فى مصر كالمفتى أو
مستشار شيخ الأزهر لشئون الفتوى ؟!
أقل شىء هو أن يغضب الناس ، وقد يتحول الغضب
الى عنف ، ويمسكون الفئوس وينهالون على تمثال رمسيس
(أو غيره) ضربا وتحطيما ، مؤمنين أنهم يؤدون واجبهم
الدينى ، ويرضون ضميرهم الوطنى .
تماما مثل الجماهير الشعبية الغاضبة بسبب ما
أثير حول الرسوم الكاريكاتيرية فى إحدى المجلات الدانماركية ، وأشعلوا النار فى
الكنائس والسفارات ، وأريقت الدماء .
هذه الفتن الخطيرة التى تلعب بورقة الدين ،
والتى تتكرر فى حياتنا ، والتى تنحرف بشعوبنا عن النضال الحقيقى للتحرر من قبضة
الاستبداد الداخلى والاستعمار الخارجى الى النضال المزيف ضد شكليات وقشور ، نضال
مزيف يستنزف قوى الشعب المقهور ، ويزيد من قهره ، ومن خضوعه الأعمى للقوى السياسية
والدينية التى تخدعه على الدوام من أجل أن تسلبه لقمة العيش
.
توقعت أن تتصدى النخبة المصرية
"المخلصة" لهذه الفتوى المضللة للشعب المصرى ، أن
يصدر قرار بإنهاء خدمة السيد المفتى ، أو إغلاق دار الإفتاء تماما ، إلا أن هذا لم
يحدث ، لماذا ؟!! هل هذه الفتن مطلوبة لإلهاء الناس عن أزماتها الحقيقية ؟!
فى رأيى أن الأمر جد خطير ، لا يستوجب الإهمال
أو التراخى ، لأن ضحايا الفتن الطائفية والدينية هم الأغلبية من الفقراء والفقيرات
من الشعب ، ليس بينهم السيد المفتى ، أو أى أحد آخر من العلماء أو المشايخ أو
النخبة المثقفة أو الحاكمة .
والمفروض أن نقضى على الفتنة فى مهدها ، وأحد
وسائل القضاء على الفتنة هو الاستغناء عن خدمات دار الإفتاء ، لأن مصر دولة مدنية
يحكمها القانون وليس فتاوى السيد المفتى
. كانت هناك حاجة فى الزمان القديم منذ آلاف السنين
قبل اكتشاف القوانين المدنية أو الدساتير لما يسمى دار الإفتاء ، أما اليوم فى ظل
القانون المدنى الذى يحكم المواطنين جميعا بصرف النظر عن الدين أو الجنس أو الطبقة
أو العرق أو العقيدة ، فإن وجود دار إفتاء لا معنى له ، ولا جدوى منه ، إلا هذه
الفتاوى التى تناقض القانون والدستور ، ولا تؤدى إلا الى الفتن الطائفية والدينية
المدمرة لوحدة الشعب المصرى .
هل أنفخ فى قربة مخرومة ؟!
هل أصبحت الكتابة فى الصحف مجرد كلام فى الهواء تذروه رياح الخماسين ؟!
هل أصبح النقد أو ما يسمى المعارضة مجرد ديكور لزوم
الديمقراطية المزيفة ؟
و إلا فما هذا الكم من الصحف المعارضة والمقالات ضد
الفساد والفقر والبطالة والتجهيل الإعلامى ، ولا شىء نراه يحدث إلا المزيد من
التجهيل والفقر والبطالة .
فى الوقت الذى أصدر المفتى فتواه محرما اقتناء
التماثيل كان طبيب فى الجيش البريطانى يقدم للمحاكمة العسكرية فى لندن لأنه رفض
العودة الى العراق . الطبيب شاب فى
السابعة والثلاثين من عمره ، اسمه "مالكولم كندال سميث" بالقوات الجوية البريطانية
، أعلن أنه لا حق لبريطانيا استخدام القوة فى العراق ، وأن قرار رئيس الوزراء "تونى
بلير" بإرسال قوات بريطانية الى العراق يرقى الى حد جريمة العدوان الدولى ،
وبالتالى واجبه كإنسان عنده ضمير عصيان الأوامر وعدم العودة الى العراق .
موقف شجاع من طبيب بريطانى استيقظ ضميره
الإنسانى ورفض الحرب فى العراق ، إنه معرض للسجن بعد المحاكمة العسكرية (أو ربما الإعدام) إلا أنه يفضل السجن أو
الموت دفاعا عن الحق عن أى شىء آخر .
لماذا لم يتحمس السيد المفتى لهذا الطبيب ويصدر
فتوى تقول للناس فى مص أن التضامن مع هذا الطبيب هو واجبنا ، أن نرفع أصواتنا دفاعا
عن هذا الطبيب الشجاع الذى يرفض الحرب ضد الشعب العراقى
.
أليس ذلك أجدى وأنفع من الفتوى ضد اقتناء
تماثيل فى البيوت ؟!
لماذا لا يقود المفتى وغيره من علماء الدين أو
السياسة أو الثقافة حملة شعبية لإدانة المذابح فى العراق وفلسطين والدفاع عن كل
إنسان يتصدى لها أو يوجه الإدانة لمجرمى الحرب ؟!
لماذا لا يقود المفتى وغيره من النخبة المصرية
حملة شعبية ضد الاستعمار الخارجى والاستبداد الداخلى لإدانة السلب والنهب الاقتصادى
تحت اسم التنمية أو الشراكة أو الصداقة ؟!
هذه مجرد أسئلة وردت لكثير من العقول التى تفكر فى
مصير هذا البلد ، فهل هى صرخة فى واد ؟
|