|
ازدواجية النخبة المصرية السياسية والأدبية
بقلم د. نوال السعداوى
القاهرة 25/1/2006
طلب منى رئيس تحرير مجلة الهلال أن أكتب شيئا فى العدد الخاص الذى
صدر عن نجيب محفوظ فى ديسمبر 2005 ، وسألته قبل أن أكتب ، إن كان مستعدا أن ينشر
مقالا ناقدا وليس مادحا لنجيب محفوظ ، فصاح مؤكدا : طبعا .. طبعا .. أنا أرحب
بالنقد ، وصدقت ما يقول بطبيعتى المؤمنة أن الإنسان بريء حتى تثبت التهمة ، وأرسلت
اليه المقال ، إلا أنه لم ينشره ، وقال مبررا عدم النشر : يا دكتورة هذا العدد هدية
لنجيب محفوظ فى عيد ميلاده الرابع والتسعين ، ولا يصح أن ننشر مقالا ناقدا له ، قلت
له مندهشة : ولكنك أكدت لى أنك ترحب بالنقد حين طلبت منى المقال ، ولم يكن لدى رئيس
تحرير مجلة الهلال ما يرد به علىّ .
هذا نموذج واحد من سلوك الكثيرين من رؤساء تحرير الصحف والمجلات
فى بلادنا ، وغيرهم ممن يطلق عليهم النخبة المثقفة ، إن الواحد منهم لا يشعر بأى
حرج حين يكون مزدوجا فى الرأى والفكر والسلوك ، فهو يعلن عن ترحيبه بالنقد وتقديره
للرأى الآخر المخالف ، ثم يفعل العكس تماما ، أى يلعب دور الرقيب الصارم ، ويصادر
الرأى الآخر المخالف .
لا شك أن هذه النخبة المصرية قد تربت فى ظل ثقافة سياسية وأدبية
مزدوجة ، وقد عاشت فى كنف حكومات مزدوجة تعلن عن الحرية والديمقراطية ثم تمارس
القمع والاستبداد والقهر لكل من يخالفها الرأى .
لكن مشكلة هذه النخبة أنها المسئولة عن تشكيل الرأى العام فى مصر
، فهى تحتل أغلب المناصب العليا فى مجالات السياسة والثقافة والأدب ، وهى تعلي من
شأن من تسميهم كبار المفكرين ، أو كبار السياسيين ، أو كبار الأدباء ، الذين يلعبون
مع هذه النخبة الدور الرئيسى فى إنتاج وإعادة إنتاج الازدواجية الفكرية والسياسية
والأخلاقية فى حياتنا العامة والخاصة .
يعرف الجميع أن لدى هذه النخبة فصلا كاملا تعسفيا بين موقفهم فى
الفكر النظرى أو الإبداع الأدبى وبين موقفهم فى الحياة الجارية العامة أو الخاصة
وكأنما هم جميعا تلاميذ نجيب محفوظ ، الذين يعلن دائما حين تتناقض أقواله وأفعاله ،
فيقول : صدقوا رواياتى وليس مواقفى العملية .
هذا هو النموذج الأدبى الأعلى فى بلادنا ، والذى يكاد يقدسه الجميع ، ومع ذلك فهو
يكرس الازدواجية والتناقض بين القول والفعل وبين السلوك والكتابة .
فى الأيام السابقة بدأت بعض الأقلام الشجاعة نسبيا تنقد سلوك نجيب
محفوظ الأخير، لأنه أعطى شرعية نشر روايته (أولاد حارتنا) لمن ليس له حق هذه
الشرعية ، وهو الأزهر ، رغم أن قانون الأزهر (فى 1961) لا يعطى له الحق إلا فى
حماية القرآن والأحاديث النبوية من التحريف .
إلا أن هذا هو نجيب محفوظ ، الذى يُعد أكبر أديب فى مصر ،
والنموذج العظيم لغيره من الأدباء والمثقفين والمفكرين ، وليست هذه هى المرة الأولى
التى يتراجع فيها نجيب محفوظ عن التمسك بمبادئ الحركة النضالية الثقافية من أجل
حرية الفكر والإبداع ، ويساعد على تبديد التضحيات التى قامت بها أجيال متعاقبة من
المثقفين والمثقفات . لقد أهدر نجيب محفوظ جهود الذين ماتوا من أجل حرية الفكر
والكتابة ، أو الذين دخلوا السجون والمعتقلات، أو الذين عاشوا المنفى خارج البلاد
أو داخلها .
نحن فى حاجة الى إلغاء الفصل التعسفى بين القول والعمل ، وبين
الفكر والكتابة ، وبين الرأى الخاص والرأى العام ، أو بين الحياة الخاصة والحياة
العامة .
لأن هذا الفصل يؤدى فى النهاية الى فساد السياسة وفساد الثقافة ،
ويشجع الناس على الكذب والنفاق ، ليس فى حياتهم العامة فقط ولكن فى حياتهم الخاصة
أيضا .
"من أسس الإبداع عدم الفصل بين الخاص والعام" . هذه عبارة معروفة
يرددها الجميع ، مع ذلك فإن حياتنا قائمة على هذا الفصل ، خاصة حياة النخبة ، أو
أغلبها ممن يطلق عليهم مفكرين ، مبدعين ، شعراء ، أدباء ، فنانين ... الخ .
*****
إن الوصول الى قمة الأدب أو السياسة أو الفكر أو الفن لا يعنى دائما الكفاءة
النادرة أو العبقرية الخارقة للعادة ، خاصة فى بلادنا حيث هيمن السلطة على معظم
المنابر فى مجالا الحياة جميعا ، ومن المعروف أن أعظم المفكرين أو الأدباء قد عانوا
من الشريد أو الفصل أو المنفى أو السجن ، وماتوا فى الظلام دون أن يمشى فى جنازتهم
أحد ، إذا كان هناك جنازة .
بالطبع لسنا فى زمن البطولات الفردية ، ولا بد من أحزاب سياسية
قوية وجمعيا ثقافية وفنية حرة قادرة على حماية أصحاب الرأى والقلم .
وهناك بالطبع فرق كبير بين من يواجه العاصفة ويتصدى ويتحدى ويدفع ثمن الحرية ، وبين
الذى يقبع صامتا منتظرا الفرصة حين يهدأ الجو ، فيحصد ثمن ما قدمه الآخرون ، لهذا
لست من الذين يتبعون فلسفة نجيب محفوظ ، القائمة على الفصل بين الفكر النظرى أو
الإبداع الأدبى ، وبين الحياة اليومية الجارية داخل البيت أو داخل الحزب ، أو فى
العمل العام .
*****
ولا يمكن بحال من الأحوال فصل الحياة العامة عن الخاصة ، مثلا هل يمكن للإنسان (رجل
أو امرأة) أن يكون ديمقراطيا (أو يحترم رأى الآخرين) خارج البيت وهو دكتاتور داخل
بيته ؟!
هل يتغير الإنسان لمجرد الخروج من باب بيته فيصبح شخصا آخر ، يؤمن
بأشياء لا يؤمن بها فى البيت ؟
ربما لهذا السبب لم تنجح أبدا مشاريع الديمقراطية السياسية فى مصر (وفى بلاد أخرى
من العالم) ، فالديمقراطية سلوك يتعلمه الإنسان منذ الطفولة فى البيت والمدرسة
والشارع ، ولا يمارسه فقط تحت قبة البرلمان .
والصدق الأدبى لا يمكن أن يتحقق دون إلغاء جميع أشكال الازدواجية
فى حياتنا السياسية والثقافية العامة والخاصة .
وقد يصبح الإنسان أديبا عظيما مشهورا ينال أعلى الجوائز الدولية والمحلية ، إلا أن
ذلك لا يعنى أنه يكتب أدبا إنسانيا عظيما ، وهناك فرق كبير بين الاحتراف الأدبى
وإتقان الحرفة ، أعنى حرفة الكتابة ، بين الإبداع الإنسانى العظيم القائم على الصدق
والتحام الخاص بالعام ، واكتساب الشجاعة الأدبية للدفاع عن الحق .
*****
من هنا تصبح قضية نصف المجتمع من النساء قضية سياسية وثقافية وفكرية ، وتخص المجتمع
كله نساءا ورجالا وليس النساء فقط .
فالصدق والإخلاص والوفاء بالوعد من القيم الإنسانية الأساسية ، وكذلك قيمة العدالة
والحرية .
إلا أن القيم السائدة فى بلادنا (وكذلك القوانين والأعراف) تبيح
للرجل بل تشجعه على أن يكون مزدوج الشخصية ، فهو فى بيته مثل سى السيد فى رواية
نجيب محفوظ ، صاحب السلطة المطلقة على نسائه ، لا يعيبه أن يهجرهن أو يكذب عليهن ،
لأن الرجل لا يعيبه إلا جيبه حسب القيم السائدة .
أما فى العمل أو الحزب أو البرلمان أو المجال العام ، فالمفروض أن
يكون صادقا ، أن يكون مخلصا لزملائه ، أن يكون مخلصا للوطن . إن الخيانة العظمى
جريمة كبرى فى حياة الرجل العامة ، أما الخيانة الزوجية والعائلية فهى شىء طبيعى فى
حياة الرجال ، خاصة هؤلاء من ذوى الذكورة أو الرجولة أو الفحولة .
تنتج هذه الازدواجيات فى حياتنا بسبب النماذج التى نراها فى
بيوتنا ومدارسنا وأحزابنا وغيرها من الأماكن التى نتردد عليها أو نعيش فيها .
يؤكد هذه الازدواجيات ما نقرأه فى الصحف والمجلات والروايات والقصص والقصائد
الشعرية ، أى ما تنتجه النخبة المصرية الى تشكل الرأى العام .
إذا لم تتغير هذه النخبة ، إذا لم تكتسب هذه النخبة الشجاعة لإبداء رأيها دون خوف
من السلطة أو طمع فى مكاسبها ، إذا لم تدفع النخبة ثمن الحرية وتظل تعيش فى أمان
ونعيم فلا أمل فى تغيير هذا المجتمع الى الأفضل
|